شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٧١
المحتجبين بالكثرة الذي هم عباد صور الأسماء عن الوحدة لينقذهم عن مهلكة الشقاء الذي هو اختلاف وجوه الأسماء إلى منجاة السعادة التي هي أحدية وجه الذات، و عن ظلمانية الجلالية إلى نور جمال الذات، فلما تحقق أنهم أهل الحجاب الذين لا يعبدون إلا صور الكثرة الأسمائية، و لا تزيدهم الدعوة إلا زيادة الاحتجاب لقوة الشيطنة و نفاذ حكم الإرادة الإلهية فيهم بالعزة، دعا ربها الناصر له باسم القهار المنتقم ليستر صور اختلافهم و تعيناتهم الظاهرة في ظاهر أرض الفوق بأحدية اسم الباطن في باطنها، كما ستروا وجود استعداداتهم و استتروا عن سماع دعائه، فتعم منفعة أثر الدعوة و هي صلاحهم بالرد عن الكثرة إلى الوحدة و المنع عن التمادي للتفرقة و البعد، فإن نفاذ الفساد صلاح لهم و صلاح من بقي بعدهم من المؤمنين، فلا يضلوهم و لا يهلكوهم و يحيروهم كما عمت الدعوة جميعهم- إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ- أي تدعهم و تتركهم يُضِلُّوا عِبادَكَ- أي يحيروهم، فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية، فينظرون أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند نفوسهم عبيدا، فهم العبيد الأرباب) أي إن هؤلاء إن تركتهم مع أهوائهم، تظاهروا بأنياتهم التي هي هوية الأحدية المنصبغة بأنوار مظاهرهم، فلا يتحركوا إلا إلى الغلو و الطغيان، فيخرجوا عبادك بدعوتهم إلى الأنية الشيطانية من العبودية التي هم عليها إلى ما فيهم من معنى الربوبية مع كونهم عبيدا فيتحيروا و يكونوا شر الناس كما قال عليه الصلاة و السلام «شر الناس من قامت القيامة عليه و هو حى» فإن الهادي يدعو إلى طاعة الرحمن، ليتفانوا عن حياة الهوى و ينسلخوا عن رسومهم فيموتوا عن أنياتهم الحاجبة للحق، فيحيوا بالحياة الحقيقية الأبدية، و المضل يدعو إلى طاعة الشيطان، فيمدهم إلى طغيانهم بتقوية أنانيتهم، فيطلعهم على سر الربوبية، فهم مع بقاء الهوى و حياة الأنية و الأنانية، أي الأحدية المنصبغة بلون الكثرة و أحكام الإمكان التي هم بها عبيد، فينظرون أنفسهم أربابا مع كونهم عبيدا، فيكونون شر الناس عبيدا أربابا عند أنفسهم، و ذلك عين الحيرة و الضلال و الهلاك، بخلاف حيرة المحمدي، فإنها بعد فناء الأنية في الأحدية و الموقت الحقيقي و النظر إلى نفسه بأنه لا شيء محض (- وَ لا يَلِدُوا- أي ما ينتجون و لا يظهرون- إِلَّا فاجِراً- أي مظهرا ما ستر- كَفَّاراً- أي ساترا ما ظهر بعد ظهوره) أي لأنهم فاجرون بإظهار أنانيتهم الشيطانية و دعوى الربوبية، كفارون بستر الحقيقة الإلهية بأنانياتهم فلا يكون أولادهم إلا على صور أسرارهم، كما قال عليه الصلاة و السلام «الولد سر أبيه» فلا يلدوا إلا مظهرا لأنانيته بدعوى الربوبية المستورة فيه زورا و كذبا، ساترا بأنانية الحقيقة الإلهية التي ظهرت بصورته بعد ما ظهرت، فيكون متلبسا على عباد الله في دعواه (فيظهرون ما ستر ثم يسترونه بعد ظهوره) أي فيظهرون بالدعوى
__________________________________________________
(مظهرا ما ستر) أي مظهرا ما ستره الحق من الربوبية في مظاهره اه.
(ثم يسترونه بعد ظهوره) بحسب اقتضاء المقامين من الربوبية و العبودية، يعنى تكلموا تارة عن وحدة