شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٧
[مقدمة الكتاب]
(بسم الله الرحمن الرحيم) (الحمد للَّه) حمدا للَّه على ما أنعم به من معرفة الحكم المنزلة على قلوب أنبيائه، التي بيتها و فصلها في فصوص كتابه، فلذلك وصفه بما دل على مقصده، مراعاة لبراعة الاستهلال و هو قوله (منزل الحكم على قلوب الكلم)، و الحكم جمع الحكمة و هي العلم بحقائق الأشياء و أوصافها و أحكامها على ما هي عليه بالأقوال و الأفعال الإرادية المقتضى لسدادها و صوابها، فإن من العلوم ما لا يتعلق بالأفعال كمعرفة الله تعالى و الحقائق المجردة من الأسماء الإلهية، و علوم المشاهدات و المعارف الذوقية من المعاني الكلية، و هي علوم الأرواح.
و منها ما يتعلق بها و لا يقتضي إتقانها و سدادها كعلوم النفوس الجزئية المذكرة بقواها. و منها الجامعة للكليات و الجزئيات الفائضة أصولها من الأرواح المضبوطة جزئياتها و فروعاتها، المحكمة بانطباق كلياتها على جزئياتها، المبقية جزئياتها بكلياتها و هي حكم
القلوب المتوسطة بين الأرواح و النفوس و الكلم مستعارة لذوات الأنبياء و الأرواح المجردة عن عالم الجبروت المسمى باصطلاح الإشراقيين الأنوار القاهرة إما لأنهم وسائط بين الحق و الخلق تصل بتوسطهم المعاني التي في ذاته تعالى إليهم كالكلمات المتوسطة بين المتكلم و السامع لإفادة المعنى الذي في نفس المتكلم للسامع أو لتجردها عن المواد و تعينها بالإبداع و تقدسها عن الزمان و المكان الموجودة بكلمة كن في عالم الأمر إطلاقا لاسم السبب على المسبب، و الدليل على الاستعمال بالمعنى المذكور قوله تعالى- إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَ كَلِمَتُهُ- و قوله عن الملائكة- إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ- و قول النبي صلى الله عليه و سلم في دعواته «أعوذ بكلمات الله التامات، و أعوذ باسمك الأعظم و بكلمتك التامة» و هنا مخصوصة بذوات الأنبياء بقرينة إضافة القلوب إليها. و قد تطلق الكلمة على كل موجود يصدر من الله تعالى لدلالتها على معان في ذاته و لهذا قيد المجردات بالتامات (بأحدية الطريق الأمم) الطريق الأمم:
الصراط المستقيم لأن الأمم القرب و أقرب الطرق المستقيم و لا يكون إلا واحدا أي الطريق التوحيد الذاتي المشار إليه في سورة هود بقوله تعالى- ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- يعنى بالقائها (من المقام الأقدم) الذي هو أحدية الذات المنزهة عن تكثر الأسماء و الصفات إلى قلوبهم بلا واسطة، فإن الأحدية سارية في الكل و سريانه بذاته صراطه المستقيم، و لا أقدم من الذات فوصف الطريق بالأمم وصف بالمصدر، كما
__________________________________________________
و تخصيص الحكم و الكلم بالحكم و الأنبياء المذكورين في الكتاب أنسب من التعميم فاللام للعهد و الإنزال الإيداع لا من التنزيل اه اتحاد الأشخاص في الأنواع أو اتحاد الأنواع في الأجناس و به حصل الحب للَّه بين الناس الذي يوجب محبة الله إياهم التي توجب رحمة الله بهم و لو لم يكن الاتحاد لوقع الاختلاف و العداوة التي توجب عقاب الله فالأحدية أعظم نعمة من الله لنا و لذا خص الحمد به اه بالى.