شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٧٠
(٢١) فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية
إنما خصت الكلمة الزكرياوية بالحكمة المالكية، لأن الغالب على حاله حكم الاسم المالك، و المليك هو الشديد، و قد خصه الله بالشدة و أيده بالقوة حتى سرت في همته و توجهه و أثمرت إجابة رعاية، و أثرت في زوجته حيث قال تعالى- وَ أَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ- و لو لا إمداد الله إياه بقوة ربانية و تخصيصه بمعونة ملكوتية ما صلحت زوجه بعد الكبر و سن اليأس مع كونها عاقرا في شبابها للحمل و الولادة، و ما ظهرت إلا بالتصرفات الإلهية المالكية، و لهذا كان يشدد على نفسه في الاجتهاد، و ظهرت عليه آثار الشدة و القهر حتى نشر بالمنشار و قدّ نصفين، فلم يدع الله في رفعه مع كونه مستجاب الدعوة لكون مشهده شدة المالك و شهود أحدية المتصرف و المتصرف فيه، و لما شاهد من عينه الثابتة أن تجلى القهر و الشدة محيط به فاستسلم و سلم وجهه للمتصرف، و حيث كان تحت قهر المالك و شدته سهل عليه تحمل الشدة لاتصافه بها، فظهرت رحمة اللطف الكامن في ضمن القهر الظاهر في صورة الظلم، فانعكست من نفسه أنوار القهر و نيرانه على أعدائه فقهرهم و دمرهم قهرا تاما، و تغمده الله برحمته.
(اعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء وجودا و حكما، و أن وجود الغضب من رحمة الله بالغضب فسبقت رحمته غضبه، أي سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة الغضب إليه) لأن الرحمة له ذاتية لكونه جوادا بالذات فياضا بالجود من خزانة الرحمة و الجود و الوجود أول فيض الرحمة العامة التي وسعت كل شيء، و أما الغضب فليس بذاتى للحق بل هو حكم عدمى ناشئ من عدم قابلية بعض الأشياء لكمال ظهور آثار الوجود و أحكامه فيه، فاقتضى عدم قابليته للرحمة عدم ظهور حكم الرحمة دنيا و آخرة، فسمى عدم فيضان الرحمة عليه لعدم قابليته غضبا بالنسبة إليه من قبل الراحم و شقاوة و شرا و أمثال هذه الألفاظ، فظهر أن نسبة الرحمة إليه سبقت نسبة الغضب إليه، و ما هي إلا عدم قابلية المحل لكمال الرحمة، و لكمال شهود النبي عليه الصلاة و السلام حقيقة الأمرين، أومأ إليهما بقوله «اللهم إن الخير كله بيديك و الشر ليس إليك» لأنه أمر عدمى لا يحتاج إلى الفاعل و سببه عدم قابلية المحل للخير، و الشر هو العدم المحض فلا حقيقة له حتى تتعلق به الرحمة، بل حيث لم توجد الرحمة الفائضة بالتجلى
__________________________________________________
(عمت رحمته كل عين) جواب لما، و قوله لذلك يتعلق بعمت، و إنما عمت رحمته كل عين من أجل ذلك الطلب فإنه أي كل عين أو الله برحمته أي برحمة الله التي رحمه بها: أي رحم الحق كل عين بها قبل العين أو الله و عينه: أي طلب كل عين من الله وجود عينه الخارجي فأوجدها في الخارج بعد حصول قبول الطلب،