شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٩٥
العجل فرقت بينهم فكان منهم من عبده اتباعا للسامري و تقليدا له، و منهم من توقف عن عبادته حتى يرجع موسى إليهم فيسألونه في ذلك، فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه، و كان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه، و ما حكم الله بشيء إلا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره و عدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء فكان موسى يربى هارون تربية علم و إن كان أصغر منه في السن) أي بربيه تربية ربانية متعينة لهارون في مادة موسى، لأن التربية لا تكون حقيقة إلا من الرب، فكما كان يربى موسى في مادة هارون بأن جعله من رحمته له نبيا يكمل نبوته و شد به أزره كان يربى هارون في مادة موسى، فإنه عتب عليه و أخذ بلحيته و رأسه ليتنبه على أسرار ما وقع من عبادة العجل فيطلع على ما يقرر موسى بعلمه في سر ذلك، و كان الله في تربية موسى و هارون من حيث لا يشعر بذلك إلا من شاء الله، فإن جميع الأفعال التي يجرى الله على أيدى عباده صور أحكام حقائقهم و حكمة لا يعلمها إلا الله و من أطلعه عليها، فوقوع العتب و عدم التثبت و إلقاء الألواح من يد موسى و أخذه بلحية هارون أمر قوى غير متوقع من مثله في مثل أخيه الذي هو أكبر سنا إنما كان لتنبيهه على ما ذكر من السر و تربيته من حيث لا يشعران بذلك الأمر فإنهما من المعصومين الذين لا يجرى الله على أيديهم إلا ما هو الحكمة و الطاعة، و يزيد به العلم و المعرفة، و هذا بالنسبة إلى أخيه، و أما بالنسبة إلى قومه فهو أن موسى عليه السلام كان في مبالغته في عتب أخيه يرى قومه أن عبادة ما يسمى غيرا و سوى عند أهل الحجاب، و تعيينا جزئيا في شهود أهل الكشف جهل و كفر، أما كونه جهلا فلأن المعبود ليس محصورا في صورة، بل هو ما في الصور كلها من الحق، لأن العبادة لا يستحقها إلا الله الذي هو عين الكل و له هوية جميع الصور، و أما كونه كفرا فلكونه سرا يتعين على الحق المتعين، ففعل ذلك رب موسى في مادته ليتنبهوا على ما قد كان حذرهم من قبل حين قالوا له- يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ- يعنى أن حقيقته يقتضي أن العبادة مطلقا لا تكون إلا للرب المطلق، كما قال تعالى- ذلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ- و قال- وَ هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ- و الإله المجعول ليس له
__________________________________________________
فالأنبياء و الأولياء العارفون و إن كانوا ينكرون العبادة للأرباب الجزئية لكن إنكارهم ليس لاحتجابهم عن الحق الظاهر في صور الأشياء، بل إنكارهم بحسب اقتضاء نبوتهم و بحسب اقتضاء الظاهر فإنهم يرون بحسب الباطن في كل شيء، و نهى العبادة عن الأمة بحسب النبوة في مظهر خاص، و المحجوبون و إن أنكروا أيضا لكن إنكارهم لاحتجابهم عن ظهور الحق في الأشياء بالى.