شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٨٦
ظاهر غنى عن الشرح (فإذا فهمت أن العلى ما ذكرناه، علمت أنه ليس علو المكان و لا علو المكانة) أي إذا علمت أن العلى لنفسه أي بالعلو الذاتي ما ذكرناه، علمت أن علوه ليس علو المكان و لا علو المكانة (فإن علو المكانة يختص بولاية الأمر كالسلطان و الحكام و الوزراء و القضاة و كل ذى منصب، سواء كانت فيه أهلية ذلك المنصب أو لم تكن، و العلو بالصفات ليس كذلك فإنه قد يكون أعلم الناس يتحكم فيه من له منصب التحكم و إن كان أجهل الناس، فهذا أعلى المكانة بحكم التبع ما هو علىّ في نفسه، فإذا عزل زالت رفعته و العالم ليس كذلك) هذا دليل على الفرق بين العلو الذاتي و العلو التبعى الذي هو بواسطة المكان أو المكانة، و قد بينه في علو المكانة فإنه أرفع ليعلم منه الفرق بين الذاتي و التبعى، و ذلك أن العلو التبعى عرضى يزول بزوال متبوعه كما ذكر، و أما الذاتي فلا يمكن زواله فيكون أعلى مراتب العلو و قد تمثل بالعلو الوصفي الذي هو دونه، فإنه إذا كان الوصف لازما كان العلو ممتنع الزوال، فمن كان أعلم كان أعلم بالصفة النفسية لا بالتبعية، فما ظنك بمن هو أعلى بالذات؟ قد يجتمع أنواعه من العلو بالذات و الصفة و المكانة و المكان، كما في الحق تعالى، فإن له أعلى المكانات و المراتب و أعلى الأماكن، و إن كان المكان في حقه مجازا كالعرش، و أما علوه بالذات و الصفات فظاهر، و للإنسان الكامل أوفر نصيب منها كادريس عليه السلام في شرف ذاته و علوها، و كمال علمه و مكانة نبوته و مكانه، في قوله- وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا- اللهم ارزقنا حظا وافرا و نصيبا كاملا منها بفضلك يا أرحم الراحمين.
(٥) فص حكمة مهيمية في كلمة إبراهيمية
إنما خصت الكلمة الإبراهيمية بالحكمة المهيمية، لأن التهييم من الهيمان و هو شدة الوله الذي هو العشق بأن تجلى له الحق بجلال جماله، أي بكمال الذات الأحدية بجميع الصفات مع بقاء حجاب أنيته، فهام لقوة انحيازه إلى المحبوب من كل وجه، فلا ينحاز إلى جهة تعينه و تقيده لما قبل من نور الذات جميع الصفات بقابلية العينية، و هي معنى الخلة الدالة على تخلل المحبوب محبة و تخلق المحب بأخلاقه فإن إبراهيم خليل الله كان أول من كوشف بالذات، و لو لا بقية قابليته لارتفع عنه الهيمان الموجب لتركه أباه و ولده و ماله، و لتحقق بالأحدية الموهوبة لمحمد حبيب الله عليه الصلاة و السلام، فإنه تبعه في الاتصاف بجميع الصفات مع
__________________________________________________
(أن العلى ما ذكرناه) و هو قوله فالعلى لنفسه (علمت أنه) أي أن العلو المسمى الله (ليس علو المكان و لا علو المكانة) أي ليس سببا لعلو المكان و المكانة و إن وجدا فيه بل سبب علوه ذاته، فعلوه بهما عين علوه الذاتي، إذ هما من جملة الكمالات استغرق الذات بها، فالعلو الذاتي هو المسمى الله خاصة (فإن علو المكانة) أي العلو الذي المكانة سبب له في الدنيا (يختص) بما في عالم الشهادة من جنس الإنسان فلا ينافي قوله علو المكان بالعمل و علو المكانة بالعلم بولاة الأمر اه بالى.