شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٣٢
النار (و لهذا ما كلم الله موسى إلا في صورة النار و جعل حاجته فيها، فلو كانت نشأته طبيعية) أي على طبيعية عالم القدس (لكان روحه نورا و كنى عنه بالنفخ يشير إلى أنه من نفس الرحمن فإنه بهذا النفس الذي هو النفخة ظهر عنه) أي بالوجود الخارجي (و باستعداد المنفوخ فيه كان الاشتعال نارا لا نورا) المنفوخ فيه هو مادة الجسد، و استعداده الرطوبة الغريزية التي أصله المنى المسوى باعتدال المزاج، فالاستعداد بالحقيقة هو ذلك الاعتدال الذي جعل المحل قابلا لتأثير الروح و تعلقه التدبيرى به حتى اشتعل من الروح فيه النار، أي الحار الغريزي الذي يكون منه الروح الحيواني أعنى النفس فظهر الجوهر النوري أعنى الروح الإنسانى المجرد فيه بصورة النار فلو لا هذه الطبيعة الدهنية في الرطوبة الغريزية بسبب الاعتدال لما ظهر هذا النور بصورة النار (فبطن نفس الحق) أي الجوهر النوري (فيما كان الإنسان به إنسانا) من النفس التي هي الروح الحيواني الذي ظهر به الإنسان حيا، و إلا لم يظهر فلم يكن إنسانا و ظهر النار (ثم اشتق له منه شخصا على صورته سماه امرأة فظهرت بصورته فحن إليها حنين الشيء إلى نفسه، و حنت إليه حنين الشيء إلى وطنه) الذي هو أصل خلقته (فحبب إليه النساء فإن الله أحب من خلقه على صورته و أسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم و منزلتهم و علو نشأتهم الطبيعية، فمن هناك وقعت المناسبة: أي بالصورة بين الرجل و المرأة كما بين الحق و الرجل، و الصورة أعظم مناسبة و أجلها و أكملها فإنها زوجت: أي شفعت وجود الحق كما كانت المرأة شفعت وجودها الرجل فصيرته زوجا لأن كل زوج على صورة زوجه (فظهرت الثلاثة حق و رجل و المرأة فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه) لأنه أصلها و كذا المعاشقة بين الروح و الجسد، فإن الجسد على صورة الروح، و هو الواحد الوتر فشفعته الصورة فصيرته زوجا، و كذلك الحال بين الهوية و الإنية فارتبط الوجود كله بالمحبة (فحبب إليه ربه النساء كما أحب الله من هو على صورته، فما وقع الحب إلا لمن تكون عنه و قد كان حبه لمن تكون عنه و هو الحق فلهذا قال «حبب إلىّ» و لم يقل حببت من نفسه لتعلق حبه بربه الذي هو على صورته حتى في محبته لامرأته فإنه أحبها بحب الله إياه تخلقا إليها) فكان من خلقه العظيم الذي قال فيه- وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ- فإن كل خلقه خلق الله، و لهذا قالت عائشة رضى الله عنها: كان خلقه القرآن.
(و لما أحب الرجل المرأة طلب الوصلة: أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح) أي الجماع مجازا من باب إطلاق اسم السبب على المسبب (و لهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، و لذلك أمر بالاغتسال منه فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة) لأن المادة التي تنفصل منه أصل حياته