شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٧٦
شيء، إذ الأحدية الذاتية تقتضي أن لا يكون معه شيء فلا ينظر القلب حينئذ إلا به و لا يرى إلا إياه فلا يحس بنفسه و لا بغيره (و قلب العارف من السعة كما قال أبو يزيد البسطامي: لو أن العرش و ما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به. و قال الجنيد في هذا المعنى: إن المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر، و القلب يسع القديم كيف يحس بالمحدث موجودا) هذا معلوم مما مر، فإن الحق إذا تجلى تحقق قوله- كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ- فلا شيء معه (و إذا كان الحق يتنوع تجليه في الصور، فبالضرورة يتسع القلب و يضيق بحسب الصورة التي يقع فيها التجلي الإلهي، فإنه لا يفضل من القلب شيء عن صورة ما يقع فيها التجلي) قلب العارف يدور مع الحق ليس له حيثية و لا كيفية معينة، و لا قابلية مخصوصة بشيء دون شيء، و لا يكون له تقيد بشيء دون شيء بخلاف سائر القلوب فيكون بحسب تجلى الرب إذا تجرد عما سواه فلم يكن فيه سوى الحق، فعلى أي صورة يتجلى الحق من صغيرة أو كبيرة كان على صورته، فيتسع و يضيق بحسب الصورة التي يقع التجلي الإلهي فيها، و لا يفضل عنه شيء عن صورة المتجلى و أما سائر الصور الجزئية فبالعكس، فإن لكل منها حيثية معينة و كيفية مقيدة و خصوصية مميزة له عن غيره و استعدادا خاصا يقع التجلي بحسبه، فلا يكون التجلي إلا بحسب قابليته فيتكيف الحق بكيفية التجلي و يتصور بصورته، و هذا حقيقة تحول الحق في الصور يوم القيامة لأهل المحشر على العموم، و لذلك يعرفه العارف في أي صورة تجل و يسجد له و يعبده، و أما غير العارف المحجوب بمعتقده فلا يعرفه إلا إذا تجلى في صورة معتقده، و إذا تجلى في غير تلك الصورة المعينة أنكره و تعوذ منه (فإن القلب من العارف أو الإنسان الكامل بمنزلة محل فص الخاتم من الخاتم لا يفضل بل يكون على قدره و شكله من الاستدارة، إن كان الفص مستديرا أو من التربيع و التسديس و التثمين و غير ذلك من الأشكال، إن كان الفص مربعا أو مسدسا أو مثمنا أو ما كان من الأشكال، فإن محله من الخاتم يكون مثله لا غير، و هذا عكس ما تشير إليه الطائفة من أن الحق يتجلى على قدر استعداد العبد و هذا ليس كذلك، فإن العبد يظهر للحق على قدر الصورة التي يتجلى له فيها الحق) هذا مثال لقلب العارف و إشارة إلى أن العارف هيولانى القلب دائم التوجه إلى الحق المطلق بإطلاق قابليته
__________________________________________________
نظره إلى الغير و كانت الغيرية مسلوبة في نظره لظهور الحق له في كل شيء، فما نظر إلى الشيء إلا و الحق يظهر له فيه، و في الحقيقة لا يسمع نظر القلب إذا نظر إلى الحق مع الحق غير الحق اه لأن القلب يسع تجليات غير متناهية، و العرش و ما حواه يكون متناهيا، فكيف يحس المتناهي الموجود في زاويته اه (إن المحدث إذا قرن) أي إذا تجلى القديم الحادث لم يبق له أثر لفناء وجود الحادث عند القديم اه (فإنه لا يفضل) حتى يسع في القلب غيرها معها فيسعها و يضيق غيرها اه بالى.
فحينئذ يتبع التجلي المتجلى له فهذا بالنسبة إلى الفيض المقدس فالمراد بقوله (و هذا عكس ما تشير) إعلام منه باختصاص إظهار هذا المعنى بنفسه بالتفرد فيه اه.