شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٣٠
الحجاب البدني و التجرد عن الغواشي الطبيعية، و هو بالنسبة إلى أهل الحجاب من المؤمنين بالغيب إنما يكون في صورة معتقدهم، إما في العالم المثالي، و إما في البرازخ النورية الروحانية» و إما في الهياكل السماوية و الصور الفلكية بحسب تفاوت درجاتهم في التجرد بصفاء النفس و قوة الاستعداد، كما قال عليه الصلاة و السلام «أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر» و هي الأجرام السماوية و في حديث آخر «في قناديل معلقة تحت العرش» و هي الكواكب الدرية، و بالنسبة إلى أهل الشهود من الموقنين فاللقاء دائم، و هم الذين ماتوا عن نياتهم و تعيناتهم في حياتهم الدنيا، و تجردوا في حياتهم من ملابس طبائعهم، فهم يشاهدون من حيث أنهم انخلعوا عن الهيئات النفسانية و الطبيعية و أحياهم الله بالحياة الأخروية فهم الذين فازوا بلقاء الله على الإطلاق و التقييد، و شاهدوا جمال وجهه الباقي في الكل، و خلصوا عن خوف الفراق فلا شوق لهم كالفريق الأول فإنهم أهل الشوق لوجود الفراق و دوام الحجاب، لكنهم مشتاقون أبدا لأن الحق تتوالى تجلياته من غير تكرار، فهم في كل وقت يشاهدونه ببعض تجلياته و يشتاقون إلى نور جماله في سائر تجلياته، و في هذا قال أبو يزيد رضى الله عنه:
شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفد الشراب و ما رويت
و بين الفريقين طائفة من أهل القلوب يشاهدونه في ملابس حسن الصفات مع بقاء الإنيات، و هم المنخلعون عن صفاتهم في مقام قرب النوافل خرقوا حجاب الصفات و حرموا جمال الذات، فهم الجامعون بين الشوق و الاشتياق لاحتجابهم من وجه و اتصافهم من وجه. فاللقاء على ثلاثة أقسام: و لكل قسم موت و بعث و قيامة. فالأول: إما أن يكون بالموت الطبيعي و البعث و القيامة فيه، كما قال عليه الصلاة و السلام «من مات فقد قامت قيامته» و قال عليه الصلاة و السلام «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» و اللقاء بعدها لأهل السعادة من المؤمنين بالغيب المحجوبين من رؤية الحق في صور معتقداتهم في عالم المثال أو في الهياكل العلوية السماوية و على حسب درجاتهم، و لأهل القلوب في البرازخ النورية الروحانية من عالم القدس على أحسن ما يكون و لأهل الشهود في جميع صور الموجودات على الجمع و التفصيل و الإطلاق و التقييد أمرهم الله تعالى بذلك- وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله- لأن إرادتهم إرادته، و إذا فنوا عن ذواتهم فكيف تبقى صفاتهم فالكل في هذه القيامة سواء، و هي الصغرى بالمرتبة و الكبرى بالشمول. و الحق أنها أول موطن من مواطن القيامة الكبرى، و لهذا قال «القبر أول منزل من منازل الآخرة» و أما قيامة أرباب القلوب فهي بالانخلاع عن ملابس الحس، و الانبعاث عن مرقد البدن في هذه الدار، و الترقي إلى عالم القدس، و الانحراط في زمرة الملكوت، و هي القيامة الوسطى و أوسط المواطن الكلية من القيامة الكبرى، و هي بعد الموت الإرادى من الحياة النفسانية بقمع الهوى