شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٧٧
في قلب الأفلاك ساكن و هو فلك الشمس، ثم بعث إلى قرية بعلبك، و بعل: اسم صنم، و بك: هو سلطان تلك القرية، و كان هذا الصنم المسمى بعلا مخصوصا بالملك، و كان إلياس الذي هو إدريس، قد مثل له انفلاق الجبل المسمى لبنان من اللبانة و هي الحاجة عن فرس من نار و جميع آلاته من نار، فلما رآه ركب عليه فسقطت عنه الشهوة، فكان عقلا بلا شهوة، فلم يبق له تعلق بما تتعلق به الأغراض النفسانية فكان الحق فيه منزها، فكان على النصف من المعرفة باللّه) حال إدريس النبي عليه السلام في الرفع إلى السماء كانت كحال عيسى عليه السلام، و كان كثير الرياضة مغلبا لقواه الروحانية مبالغا في التنزيه كما ذكر في قصته، و قد تدرج الرياضة و السير إلى عالم القدس عن علايق حتى بقي ستة عشر سنة لم ينم و لم يأكل و لم يشرب على ما نقل، و عرج إلى السماء الرابعة التي هي محل القطب، ثم نزل بعد مدة ببعلبك، كما ينزل عيسى عليه السلام على ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه و سلم، فكان إلياس النبي و الجبل الذي مثل له انفلاقه المسمى لبنان جسمانيته المحتاج إليها في استكماله و تكميل الخلق في الدعوة إلى الله تعالى، و انفلاقه انفراج هيأتها و غواشيها الطبيعية عنها بالتجرد عن ملابسها، و الفرس النارية التي انفلق عنه هي النفس الحيوانية التي هي مركب النفس الناطقة على ما ذكر في فص صالح، و هي بمثابة البراق له صلى الله عليه و سلم، و كونها من نار غلبة حرارة الشوق و استيلاء نور القدس عليه، كما قيل لموسى عليه السلام- بُورِكَ من في النَّارِ- و كون آلاته من نار تكامل قواه و أخلاقه و استعداده المهيئات لاستعلاء النفس الناطقة التي هي القلب عليه بنور روح القدس الذي هو العقل، و لهذا صار عقلا بلا شهوة، لأن النور القدسي إذا غلب عليها سقطت شهوتها و صارت قواها منورة عقلية و أذهب عنها ظلمة الشهوة، و لهذا قال: ركب عليه فسقطت شهوته، لأن الاستيلاء بتأييد الروح القدسي و التنور بنوره يوجب سقوط الشهوة، و قطع التعلقات النفسية، و انتفاء أغراض النفس الناطقة و الطبيعة، فكان الحق فيه منزها لتنزهه عن العلائق، و لتغلب أحكام الروح على أحكام الجسد، و التنزيه على التشبيه، لأن الغالب عليه الصفات الروحانية، و قهر القوى النفسانية و الطبيعية و البدنية حتى صار روحا مجردا كالملائكة، فكان على النصف من المعرفة باللّه كالعقول المجردة و هو التنزيه، و فائدة الكمالات الخلقية و الصفات الحاصلة للنفس من المقامات و الفضائل كالصبر و الشكر و ما يتعلق بالتشبيه و ينبئ عن مقام الاستقامة و هو النصف الأخير، و في الجملة كمل فيه أحكام اسم الباطن و بقي أحكام اسم الظاهر كما قال (فإن العقل إذا تجرد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره كانت معرفته باللّه على التنزيه لا على التشبيه، و إذا أعطاه الله المعرفة بالتجلى كملت معرفته باللّه فنزه في موضع و شبه في موضع) أي نزه في موضع التنزيه تنزيها حقيقيا لا وهميا رسميا، و شبه في موضع التشبيه