شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٥٩
قوله- وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ- أي فيه يقع التصرف و هو للتصرف، فما خرج عنه شيء لم يكن عينه بل هويته عين ذلك الشيء، و هو الذي يعطيه الكشف في قوله- وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ- اسم إن محذوف لدلالة فما خرج عنه شيء لم تكن عينه عليه أي فهو راجع إليه مع أن في قوله- وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ- إيذانا بأن كل شيء عينه، لأن لفظ الرجوع يدل على أنه الأصل الذي منه كل شيء بدا فيعيده، فلا يقع التصرف إلا منه فيه فهو المتصرف بإبدائه عن نفسه و رجع إليه، فهو عين ذلك الشيء بتجليه في صورته عينا و علما و وجودا، فهويته هي عين ذلك الشيء إذ الذي يعطيه الكشف هو أن الذات الأحدية تجلى في صور الأعيان، و هي عين علمه بذاته ليست أمورا زائدة على الوجود لأنها صور معلوماته و شئونه الذاتية منه بوجوده مع ثبوتها في علمه، و إليه عادت بقبضه إليه، كما قال- ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً- أي لم يلبث أن يبسط.
(١٩) فص حكمة غيبية في كلمة أيوبية
إنما خصت الكلمة الأيوبية بالحكمة الغيبية لكون أحواله عليه الصلاة و السلام بأسرها من ابتداء حاله و زمان ابتلائه و بعد كشف بلائه إلى انتهاء كلامه غيبية، لأن الله تعالى أعطاه من الغيب بلا كسب ما لم يعط أحدا من المال و البنين و الزرع و الخول و العبيد، ثم ابتلاه من الغيب ببلايا في نفسه و ماله و أهله و ولده و لم يبتل بمثلها أحدا، و رزقه الله صبرا جميلا وافرا بلا شكوى إلى أحد في مدة لم يرزق مثله أحدا، و لما بلغ الابتلاء غايته و تناهي الصبر نهايته و لم يجزع قط و لم يشك إلى أحد، و لم يترك من أعماله و طاعته و أذكاره و أنواع شكره شيئا- نادى رَبَّهُ- أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ- فكشف عنه ما به من ضر، و وهب له أهله- وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً- من عنده و خزانة غيبه و أظهر له من غيب الأرض مغتسلا باردا و شرابا، و كل ذلك كان من قوة إيمانه بالغيب، و ثقته بما ادخر الله له في الغيب، فكان أمره كله من الغيب.
(اعلم أن سر الحياة سرى في الماء فهو أصل العناصر و الأركان، و لذا جعل الله من الماء كل شيء حى و ما ثم شيء إلا هو حى، فإنه ما ثم من شيء إلا و هو يسبح بحمده،
__________________________________________________
و لو قضى بلا رجوع لوقع موت العبد بلا حكمة مع أن وجوده راجح و مراعى عند الله، و ذلك محال على الله.
قوله (و هو أصل العناصر و الأركان) الباقية، فالحياة صفة من صفات الله حقيقة واحدة كلية شاملة على جميع الموجودات، لكن تظهر في بعضها في العموم و الخصوص و في بعضها في الخصوص، و سرها هو الهوية الإلهية الظاهرة بصورة الحياتية، فأول ما ظهرت به الهوية الإلهية الحياة، و لذلك تقدمت على باقى الصفات تقدما ذاتيا، و أول ما ظهرت به الحياة الماء، لذلك كان أول كل شيء و أصله (و لذلك) أي لأجل سريان سر الحياة في الماء (جعل الله من الماء كل شيء حى) كالحيوانات فإنها خلقت من نطفة الأمهات و الآباء- و هي الماء، و كالنبات فإنها لا تنبت إلا بالماء اه بالى.