شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣١٥
أنت على علم لا أعلمه أنا فأنصف، و أما حكمة فراقه فلأن الرسول يقول الله فيه- وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا- فوقف العلماء باللّه الذين يعرفون قدر الرسالة و الرسول عند هذا القول) أي لزموه و امتثلوه و لم يتجاوزوا عنه (و قد علم الخضر أن موسى رسول الله فأخذ يرقب ما يكون منه ليوفى الأدب حقه مع الرسل فقال له- إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي- فنهاه عن صحبته فلما وقعت منه الثالثة قال- هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ- و لم يقل له موسى لا تفعل و لا طلب صحبته لعلمه بقدر الرتبة التي هو فيها التي أنطقته بالنهي عن أن يصحبه فسكت موسى و وقع الفراق، فانظر إلى كمال هذين الرجلين في العلم و توفية الأدب الإلهي حقه، و إنصاف الخضر عليه السلام فيما اعترف به عند موسى حيث قال: أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، و أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، فكان هذا الإعلان من الخضر لموسى دواء لما جرحه به في قوله- وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً- مع علمه بعلو مرتبته بالرسالة و ليست تلك الرتبة للخضر، فظهر ذلك في الأمة المحمدية في حديث آبار النخل فقال عليه الصلاة و السلام لأصحابه «أنتم أعلم بأمور دنياكم» و لا شك أن العلم بالشيء خير من الجهل به، و لهذا مدح الله نفسه بأنه بكل شيء عليم، فقد اعترف صلى الله عليه و سلم لأصحابه بأنهم أعلم بمصالح الدنيا منه لكونه لا خبرة له بذلك فإنه علم ذوق و تجربة، و لم يتفرغ عليه الصلاة و السلام لعلم ذلك بل كان شغله بالأهم فالأهم، فقد نبهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه) اعلم أن الخضر عليه السلام صورة اسم الله الباطن و مقامه مقام الروح، و له الولاية و الغيب و أسرار القدر و علوم الهوية و الإنية و العلوم اللدنية، و لهذا كان محتد ذوقه الوهب و الإيتاء، قال تعالى- فَوَجَدا عَبْداً من عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً- و لكماله في علم الباطن لما بين لموسى عليه السلام تأويل ما لم يستطع عليه صبرا من الوقائع الثلاث.
قال في الأولى- فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها- بالتقييد و الإخبار عن تخصيص إرادته بعض ما في باطنه من معلوماته.
و في الثانية- فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً- لجمع الضمير في الإرادة.
و في الثالثة- فَأَرادَ رَبُّكَ- بتوحيد الضمير و الإخبار عن الإرادة الربانية الباطنة، كل ذلك إشارة منه إلى سر التوحيد و أحدية الإرادة و التصرف و العلم في الظاهر و الباطن
__________________________________________________
فأمرهما الله تعالى باللين في القول، و علق الرجاء بإجابته عند الذكرى لما كان فيه من الحجاب بالعزة الإلهية التي اقتضت له المرتبة التي كان فيها و هي الملك- إذ الملك لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ، فإذا تذكر ذلك رجع إليه و لو بعد حين، و كذا كان نفعته الذكرى فتذكر عند الغرق و خشي الفوت فاستعجل بما قيده بإيمان بنى إسرائيل فانتقل من نسب القبط إلى نسب الإسرائيليين في الإيمان ليدفع الإشكال و الاحتمال، و لذلك قال الله له