شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٩٠
إلى مقامى قربات الفرائض و النوافل، فإن الأصل هو الحق الواجب، فهو الفرض، و الخلق:
هو النفل الزائد، فإذا كان الحق ظاهرا كان الخلق متخللا محمولا فيه خفيا، و كان جميع أسماء الحق و صفاته، كسمعه و بصره و سائر قواه و جوارحه، كما قال عليه الصلاة و السلام «إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده و قال هذه يد الله و أشار إلى يده» و قال تعالى- وَ لكِنَّ الله رَمى- و اليد يد محمد عليه الصلاة و السلام، و قد نفى عنه الرمي حيث قال- وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى- و ذلك قرب الفرائض، و إن كان الخلق ظاهرا كان الحق متخللا محمولا فيه مستورا، فكان سمع العبد و بصره و جميع جوارحه و قواه كما جاء في الحديث و ذلك قرب النفل، و كلا الأمرين جائز في إبراهيم كما ذكر (ثم إن الذات لو تعرت عن هذه النسب لم يكن إلها، و هذه النسب أحدثتها أعياننا فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلها فلا يعرف حتى نعرف، قال عليه الصلاة و السلام «من
عرف نفسه فقد عرف ربه» و هو أعلم الخلق باللّه) يعنى إن الذات الإلهية لا تثبت لها الصفات و النسب الأسمائية إلا بثبوت الأعيان، فإن الصفات نسب و النسب لا تثبت بدون المنتسبين، فالإلهية لا تثبت إلا بالمألوهية، و الربوبية بالمربوبية، و كذا الخالقية و الرازقية و أمثالها، و لا يعرف أحد المتضايفين إلا بالآخر، و لذلك علق عليه الصلاة و السلام معرفة الرب بمعرفة المربوب.
(فإن بعض الحكماء و أبا حامد ادعوا أنه يعرف الله من غير نظر في العالم و هذا غلط، نعم تعرف ذات قديمة أزلية لا تعرف أنها إله حتى يعرف المألوه، فهو الدليل عليه) أبو حامد هو الغزالي رحمه الله، و المراد أن الذات الموصوفة بصفة الألوهية لا تعرف إلا بالمألوهية كما مر، بل العقل يعرف من نفس الوجود وجود الواجب و هو ذات قديمة أزلية، فإن الله بالذات غنى عن العالمين لا بالأسماء، فالمألوه هو الدليل على الإله (ثم بعد هذا في ثانى حال يعطيك الكشف، و أن الحق نفسه كان عين الدليل على نفسه و على ألوهيته،
__________________________________________________
(و هذه النسب) أي الصفات الإلهية التي ثبتت للحق كالخالق و الرازق، إلى غير ذلك من الصفات الإضافية، فلا يعلم الحق من غير نظر إلى العالم.
(ثم بعد هذا) أي بعد معرفتك الحق بالعالم، و هو أول مرتبة في العلم باللّه لأنه استدلال من الأثر إلى المؤثر، و لا توقف له على الكشف، فإن الاستدلال المذكور يوصل إلى هذا الكشف، على معنى أنه استدللنا بوجودنا الخارجي إلى أعياننا الثابتة لأنه أثرها، و استدللنا بأعياننا على ألوهيته و هي صفات الله و أسماؤه، و استدللنا بأسمائه و صفاته على ذاته تمت مرتبة الاستدلال (ثم يعطيك الكشف) أن أعياننا الثابتة عين الصفات و أنها عين الذات، فكان الحق نفسه عين الدليل على نفسه و على ألوهيته، فإذا كان الحق عين (الدليل) كان نفس الحق دليلا (على نفسه و على ألوهيته) لا العالم بل العالم مرآة لفيضانه الوجود فيه بالتجلى الأسمائى كالمرآة، فإن المرآة ليست دليلا على وجود الرائي، بل الدليل هو الصورة الحاصلة فيها من الرائي التي هي عين الرائي، فكان الرائي عين الدليل على نفسه، فلا تحصل له هذه المعرفة لأن المعرفة في الحضرة فرع المعرفة بنفس الحضرة، و من لم يعرف الحضرة لم تكن الحضرة مرآة له، و لم تظهر له الصور فيها حتى تحصل المعرفة اه بالى.