شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٨
يقال طريق قصد، قال تعالى- وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ- و قوله بأحدية متعلق بمنزل إما بمعنى الظرفية كقولك حجبت بطريق الكوفة، و إما بمعنى اللام و تضمين الإنزال معنى الإخبار، و الأمر كقولك أنزل القرآن بتحليل البيع و تحريم الربا، أي آمرا و مخبرا بأن الطريق الأقرب واحد ليس إلا التوحيد الذاتي، كقوله تعالى- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ- الآية.
قوله (و إن اختلف الملل و النحل) إشارة إلى اعتراض جوابه (لاختلاف الأمم) كأنه قيل إن كان طريق نزول الحكم إلى قلوب الأنبياء هو المراد من إنزال الحكم طريقا واحدا فلم اختلفت أديانهم؟ فأجيب بأنه لاختلاف استعدادات الأمم اختلفت صور سلوك طريق التوحيد و كيفية سلوكها، مع أن المقصد و المراد و حقيقة الطريق واحد كالخطوط الواصلة بين المركز و نقط المحيط، فإنها طرق شتى باعتبار اختلافات محاذيات المركز لكل واحدة من النقط المفروضة في المحيط، مع أن الكل طريق من المحيط إلى المركز، و كالمعالجات المختلفة التي يعالج بها طبيب واحد لأمراض مختلفة، فإن المراد واحد و هو الصحة و كلها في كونها طريقا في رد المرض إلى الصحة واحد، فطريق نزول الحكم إلى الأنبياء واحد و المراد منه هو الهداية إلى الحق، فطريق التوحيد واحد لكن اختلاف استعداداتهم اقتضى اختلاف الملل و النحل، فإن إصلاح كل أمة يكون بإزالة فساد يختص بها، و هدايتهم إنما تكون من مراكزهم و مراتبهم المختلفة بحسب طباعهم و نفوسهم (و صلى الله على ممد الهمم من خزائن الجود و الكرم) الهمة قوة القصد في طلب كمال يليق بحال العبد، فعلة من الهم بمعنى القصد، أي نوع منه كالجلسة من الجلوس و لكل طالب استعداد خاص يطلب بهويته لما يليق به و تلك الاستعدادات من مقتضيات أسماء الله تعالى و كل اسم يقتضي استعدادا خاصا فهو خزانة كمال يقتضيه ذلك الاستعداد في الحضرة الواحدية التي ظهرت فيها الأعيان و فصلت فتلك الأسماء خزائن الجود و الكرم. و لما كان محمد الخاتم صلى الله عليه و سلم، صاحب الاسم الأعظم الشامل لحقائق جميع الأسماء، كان ممد الكل همة بما في خزانة الاسم الذي يرب الحق تعالى صاحب تلك الهمة به.
قوله (بالقيل الأقوم) متعلق بالممد فهو القول الحق الذي هو أعدل الأقوال، من قام إذا اعدل و استوى، يقال أقام العود إذا قومه و عدله و يسمى القيام من الركوع الاعتدال (محمد و على آله و سلم) و إنما كان قوله أقوم الأقوال، و إن كان قول كل نبى حقا لأنه
__________________________________________________
أي و إن اختلفت في فروعات الأصل السبب اختلاف الأمم و هذا أيضا نعمة عظيمة به ترتفع المضايقة و يحصل الوسعة التي توجب استراحة الأبدان و الأرواح اه بالى.
(القيل الأقوم) الكلام الأبلغ الجامع بين التشبيه و التنزيه على وجه الاعتدال بحيث لا ميل إلى طرفيه و هو القرآن الكريم بالنسبة إلى سائر الكتب السماوية ثم كلام الرسول بالنسبة إلى كلام سائر الأنبياء اه.
يجوز عطف الآل على ممد الهمم فيخرج عن الإمداد و على محمد فيدخل فيه و وراثة و كلا المعنيين حسن اه بالى