شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٧٥
منازل القمر المعروفة عند العرب من الثوابت التي عليها (و فلك الكرسي، و فلك العرش) الظاهر أن المراد بهما النفس الكلية و العقل الكلى أي الروح الأعظم، فإنهما مرتبتان في الوجود أعظم من مراتب الأفلاك، و الروح لوح القضاء و النفس لوح القدر، فهما أرفع من الأجرام الفلكية فسماهما فلكين مجازا، كما سمى كرة التراب فلكا مجازا فإنها لم تتحرك و لم تحط بشيء حتى تسمى فلكا بالحقيقة، على أن البرهان لم يمنع وجود أفلاك غير مكوكبة فوق التسعة، و الحكماء جزموا في جانب القلة، أي لا يجوز أقل مما ذكروا و أما في جانب الكثرة فلا جزم (و الذي دونه: فلك الزهرة، و فلك الكاتب، و فلك القمر، و كرة الأثير، و كرة الهواء، و كرة الماء و كرة التراب. فمن حيث هو قطب الأفلاك هو رفيع المكان) ظاهر، و تسمية العناصر أفلاكا تعضد أنه يريد بالأفلاك مراتب الموجودات الممكنة البسيطة، من الأشرف إلى الأدنى (و أما علو المكانة فهو لنا أعنى المحمديين، قال الله تعالى- وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ الله مَعَكُمْ- في هذا العلو و هو يتعالى عن المكان لا عن المكانة) إنما كان علو المكانة للمحمديين، لأن واحدية الجمع أعلى رتبة في الوجود و هي رتبة محمد عليه الصلاة و السلام، و الله تعالى بأحدية الذات بالوجود المطلق متعال عن كل قيد فله العلو الذاتي، لأن كل مقيد هو المطلق من حيث الهوية أي حقيقة الوجود الغير المنحصر و هو به هو و بنفسه ليس بشيء، فلا رتبة له من غير الوجود حتى يعتبر العلو بالنسبة إليه، فاللّه هو العلى المطلق بحسب الذات وحده لا بالنسبة إلى شيء، و هو مع المحمديين في هذا العلو لفنائهم في أحدية وجودهم به، و هو متعال عن المكان لعدم التقيد و كون المكان به مكانا، لا عن المكانة لكون المطلق أعلى مرتبة من المقيد (و لما خافت نفوس العمال منا أتبع المعية بقوله- وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ- فالعمل يطلب المكان و العلم يطلب المكانة، فجمع لنا بين الرفعتين: علو المكان بالعمل و علو المكانة بالعلم) أي و لما وصفنا بأننا الأعلون و أن الله معنا فهم العمال منا علو المكانة لتنزه الحق عن المكان و ثبوت الأعلوية بالعلم، فخافوا فوات أجر العمل، لأن العمل يقتضي علو المكان و حصول الثواب في الجنة، فأتبع المعية بقوله- وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ- أي ينقصكم أعمالكم، ليعلموا أن الرفعة العلمية الرتبية لا تنافي الرفعة العلمية المكانية، و أن الله يجمعهما لهم، فإن الله تعالى مع كل شيء في كل حضرة (ثم قال تنزيها لاشتراك المعية- سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى- عن هذا الاشتراك المعنوي) يعنى لما أثبت له تعالى معيتنا في الأعلوية، أو هم الاشتراك في علو المكانة فنزهه بقوله- سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى- عن هذا الاشتراك، فإن العلو المطلق الذاتي له وحده
__________________________________________________
(فمن حيث هو قطب الأفلاك) رفيع الأمكنة بعلو المكانة، ففلك الشمس أعلى الأماكن بعلو المكانة لا بعلو المكان، فقولنا رفيع الأمكنة خبر حذف العلم به فكأنه (هو) أي إدريس (رفيع المكان) و المكانة وصف لمكانه لاله؟، إذ مدلول النص علو المكان، و لا يلزم من ثبوت المكانة لمكانه ثبوتها له اه بالى.