شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٧٤
إدريس في التجريد و التروح حتى غلبت الروحانية على نفسه، و خلع بدنه و خالط الملائكة و اتصل بروحانيات الأفلاك و ترقى إلى عالم القدس، و أقام على ذلك ستة عشر عاما لم ينم و لم يطعم شيئا، فتنزيهه ذوقى وجدانى تأصل في نفسه حتى خرق العادة، و أما تنزيه نوح عليه السلام فهو عقلى لأنه كان أول المرسلين فلم يتجاوز في التنزيه مبالغة فهوم الأمة، و لم يخل عن شوب التشبيه على ما هو طريق الرسالة و قاعدة الدعوى، و تزوج و ولد له بخلاف إدريس، لأن الشهوة قد سقطت عنه و تروحت طبيعته و تبدلت أحكامها بالأحكام الروحية، و انقلبت بكثرة الرياضة و صار عقلا مجردا، و رفع مكانا عليا في السماء الرابعة، فلهذا قال (العلو نسبتان: علو مكان و علو مكانة فعلو المكان- وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا- و أعلى الأمكنة الذي يدور عليه رحى عالم الأفلاك، و هو فلك الشمس، و فيه مقام روحانية إدريس عليه السلام) علو المكان كون الشيء في أرفع الأماكن، و علو المكانة كونه في أرفع المراتب، و إن لم يكن مكانيا أو كان في أدنى الأماكن، كعلو رتبة الإنسان الكامل بالنسبة إلى الفلك الأعلى، و إنما أثبت لإدريس العلو المكاني لأنه لم يتجرد عن التعين الروحاني، و لم يصل إلى التوحيد الذاتي المحمدي بالانسلاخ عن جميع صفات الغيرية، و الانطماس في عين الذات الأحدية، بل انسلخ عن الصفات البشرية الطبيعية فتجرد عن النشأة العنصرية و أحكامها، و بقي مع الصفات الروحانية و هيئاتها، فتبدلت هيئات نفسه المظلمة بهيئات روحه المنور، و انقلبت صورته صورة مثالية نورانية مناسبة بهيئاته الروحانية، فعرج به إلى مأواه الأصلي و مقام فطرته الذي هو فلك الشمس و روحه منشأ تنزل روح القطب، فإن روح هذا الفلك أشرف الأرواح السماوية كما أن روح القطب أشرف الأرواح الإنسية، و لهذا كانت الشمس أشرف الكواكب و رئيس السماء، و ارتبطت بها جميع الكواكب ارتباط أصحاب الملك به، العلوية من وجه و السفلية من وجه كما تبين في علم الهيئة، و كان فلكها أخص الأفلاك و أوسطها كمكان الملك في وسط المملكة إذ الوسط أفضل المواضع و أحماها عن الفساد فهو بالنسبة إلى الأفلاك كالقطب من الرحى و بسيره ينتظم أمور العالم و ينضبط الحساب و المواقيت، فهو أعلى قدرا و أفضل روحا من الأماكن كلها (و تحته سبعة أفلاك و فوقه سبعة أفلاك و هو الخامس عشر فالذي فوقه:
فلك الأحمر أي المريخ، و فلك المشترى، و فلك كحيوان، و فلك المنازل، و فلك الأطلس فلك البروج) أي الفلك الذي قسم إلى البروج الاثنى عشر، و اعلم كل برج بما بإزائه من صور الكواكب الثابتة التي على فلك المنازل الذي تحته و إنما سمى بفلك المنازل باعتبار
__________________________________________________
فما جاء في النوحيين موافق لما جاء في المحمديين، و لما كان العلو من لوازم التقديس، و كان معرفة التقديس على التفصيل موقوفة على معرفة العلو و نطقت به الآية، شرع في بيان العلو اه.
(نسبتان) لا يمكن تصور العقل بدون إضافة إلى شيء آخر لكون النسبة جزءا من مفهومهما.