شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٦٧
(فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسم إلهى أوجب عليهم أن يكونوا متقين) و حقيقة التقوى أن يجتنب الإنسان من إضافة الخيرات و الكمالات و الصفات الحميدة إلى نفسه أو غيره إلا إلى الله، و يتقى به من أفعاله و صفاته فإنها شرور من معدن الإمكان، فيطلع على سر قوله- وَ ما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ- لأن الشرور أمور عدمية و أصله العدم و منبعه الإمكان.
قوله (فقالوا في مكرهم- لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً- فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه و يجهله من جهله) مر تقريره (في المحمديين- وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ- أي حكم ربك) رب الكل أن لا موجود سواه فلا يرى في صورة الكثرة إلا وجهه فيعلم أنه هو الذي ظهر في هذه الصور فلا يعبد إلا الله لأن صور الكثرة في الوجود الواحد إما معنوية غير محسوسة كالملائكة و إما صورية محسوسة كالسماوات و الأرض و ما بينهما من المحسوسات، فالأولى بمثابة القوى الروحانية في الصور الإنسانية، و الثانية بمثابة الأعضاء، فلا تقدح هذه الكثرة في أحدية الإنسان و هو معنى قوله (فالعالم يعلم من عبد و في أيّ صورة ظهر حتى عبد، و إن التفريق و الكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة و كالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود فالأدنى) أي الجاهل المحجوب (من تخيل فيه الألوهية) أي معنى الألوهية فهو أن يصور فيه هيئة مخصوصه متخيلة فإن الخيال لا يدرك إلا مشخصا فعبد ذلك المتخيل (فلو لا هذا التخيل) أي تخيل معنى الألوهية فيه (ما عبد الحجر و لا غيره و لهذا) أي و لأن الله أراد أن يبصرهم أنهم إنما يعبدون خيالهم (قال- قُلْ سَمُّوهُمْ- فلو سموهم لسموهم حجرا أو شجرا أو كوكبا) فافتضحوا و انتهوا عن الشرك (و لو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلها) بناء على ما تخيلوا فلزمهم تعدد الآلهة لأنهم (ما كانوا يقولون الله و لا الإله) إذ لم يرد الله الواحد المتجلى في صورة الكثرة (و الأعلى) أي العالم العارف الكاشف بالحق (ما تخيل) نفى أي لم يتخيل (بل قال هذا مجلى إلهى ينبغي تعظيمه فلا يقتصر) أي على ذلك المتعين بل يرى كل شيء مجلى له، فيرى تعدد المجالى من تجليه الأسمائى و أحدية المتجلى من تجلى وجهه فيها أي ذاته (فالأدنى صاحب التخيل يقول- ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى-) لأنه تخيل في كل واحد منها إلها صغيرا و تخيل ما سمى الله إلها متعينا أكبر، فلم يعبد إلا ما تخيله من الآلهة المجعولة (و الأعلى العالم
__________________________________________________
(أن يكونوا متقين) حافظين محترزين عبادة غير هذا الاسم الإلهي من الأسماء التي تحت حيطته، فما مكر قوم محمد معه لانعدام موجب المكر و هو التنبيه في الدعوة إلى هوية الحق، فدعا قومه إلى الله من حيث أسماؤه بلا تنبيه إلى هويته، فما مكر في الدعوة حتى أجابوه مكرا اه بالى.
(ينبغي تعظيمه) على كل أحد، كما إذا سئلنا لم صليتم إلى الكعبة؟ قلنا هذه أعظم مظهر من المظاهر الإلهية فعظمناها لأجله، فأما عبادتنا لا تكون إلا للَّه في أي مظهر كان لا من حيث كونه في ذلك المظهر اه بالى.