شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٦٤
و بهذا الجمع أخبر عن نفسه أنه أوتى جوامع الكلم أي الأسماء الإلهية و مقتضياتها كلها، فما دعا إلى الظاهر و أحكامه فقط و إلى الباطن و أحكامه، بل جمع بين الباطن و الظاهر بأحدية الجمع باطنا في الظاهر و ظاهرا في الباطن، أي الكل من حيث أنه واحد متجمل فيهما.
قوله (فقال نوح عليه السلام في حكمته لقومه- يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً-) معناه أن نوحا عليه السلام لما رأى إجابتهم الفعلية بحكم مقامهم و حالهم، حيث فهموا من الاستغفار طلب الستر و من الغفران الستر و حملوا عليه قوله مستهزءين مستخفين لمنافاة حالهم حاله، نزل عن مقامه ليمكر بهم فيهديهم من حيث لا يشعرون، فتكلم بما ظاهره مناسب ما اختاروه من الظواهر، و باطنه يناسب معقولهم الذي يتبعونه و يتلقونه بأفكارهم و عقولهم، المشوبة بالوهم، المحجوبة عن الفهم، المشغولة عن نور القدس بظلمة عالم الرجس، فقال- يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً- أي يستر الظلمات التي هي الصفات النفسانية و الهيئات الفاسقة الجرمانية بنور الروح، فيرسل من سماء العقل المجرد مياه العلوم (و هي المعارف العقلية في المعاني و النظر الاعتباري) المؤدى إلى الحقائق و المطالب النظرية (وَ يُمْدِدْكُمْ) عند إدراككم المعارف العقلية و المعاني الكلية التنزيهية، و يجردكم عن الغشاوى الطبيعية (بِأَمْوالٍ)- أي بما يميل بكم إليه) من الواردات القدسية و الكشوف الروحية و التجليات الشهودية الجاذبة إياكم إليه (فإذا مال بكم إليه) أي جذبكم البارق القدسي و التجلي الشهودى إليه (رأيتم صورتكم فيه) كما مر (فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف) لأنه أكبر من أن يتجلى في صورة واحدة (و من عرف منكم أنه رأى نفسه) أي رأى الحق في صورة عينه (فهو العارف فلهذا انقسم الناس) أي أهل الوجدان الذين هم الناس بالحقيقة (إلى عالم باللّه و غير عالم به) كما هو الأمر عليه (و ولده و هو ما أنتجه لهم نظرهم الفكرى) أي و لما اشتد احتجابهم بالظواهر و تقيدوا بها كانت عقولهم مشوبة بالأوهام لم تتجاوز إلى المعارف المجردة الكلية في التنزيه عن
مقتضيات أفكارهم العاديات و القياسيات العرفية المقيدة بالقيود الوهمية و التخييلية، و احتجبت بالتعينات و التقيدات العقلية المطابقة لمدركاتها الوهمية و التخييلية و الحسية في التقيد (و الأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر) فأنكروا لما دعاهم إليه أشد إنكار و اتبعوا معقولهم العادي، فشكا نوح إلى ربه بقوله- رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَ اتَّبَعُوا من لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلَّا خَساراً- أي اتبعوا من ينزه الله التنزيه التقييدى الفكرى الموجب تشبيهه تعالى بالأرواح في التقييد، فلم يزده ماله أي
__________________________________________________
(و الأمر) أي ما دعا إليه نوح (موقف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الأفكار) فهم عصوه و اتبعوا نتائج أفكارهم و كانوا محرومين عن حكمة دعوته لعدم علمهم ما أشار إليه نوح، و لعدم حصول هذا العلم بالنظر الفكرى اه بالى.