شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٥٧
العارفون الراسخون في العلم المرادون بقوله- وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَ الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ- إن لم تقف على قوله إلا الله، و إن وقفت فالراسخون الذين- يَقُولُونَ آمَنَّا به- هم الخاصة و أما الذين يبتغون التأويل بالفكر و يحملون معنى كلام الله على معقولهم كأرباب المعتقدات المتبعين للمشابهات الواقفين مع عقولهم كالمتشبهين بالخواص، فهم الذين في قلوبهم زيغ، فإن للحق في كل خلق ظهورا بحسب استعداد ذلك الخلق، فهو الظاهر في كل مفهوم بقدر استعداد الفاهم و ذلك حده كما قال تعالى- فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها- و هو الباطن عن كل فهم بما زاد عن استعداده، فإن رام ما فوق حده بالفكر و هو الذي بطن عن فهمه زاغ قلبه، إلا فهم العارف الذي لا حد لفهمه و هو الفاهم باللّه من الله لا بالفكر فلا يبطن عن فهمه شيء، فيعلم أن العالم صورته و هويته أي حقيقته باعتبار الاسم الظاهر، فإن الحقيقة الإلهية المطلقة لم تكن هوية إلا باعتبار تقيدها و لو تقيد الإطلاق كقوله- هُوَ الله أَحَدٌ- و أما من حيث هي هي فهي مطلقة مع تقيدها بجميع القيود الأسمائية، فالعالم هويته أي حقيقته بقيد الظهور (كما أنه بالمعنى) أي كما أن الحق بالمعنى (روح ما ظهر) أي حقيقته بقيد البطون (فهو الباطن) و ذلك أيضا هويته (فنسبته لما ظهر من صور العالم، نسبة الروح المدبر للصورة) لما أثبت للحقيقة الإلهية هوية باعتبار اسمه الظاهر و هوية باعتبار اسمه الباطن شبه نسبة باطنيته إلى ظاهريته من صور العالم بنسبة الروح الإنسانى المدبر لصورته إلى صورته. و اللام في لما ظهر بمعنى إلى أي نسبته مع قيد البطون إلى نفسه مع قيد الظهور (فيؤخذ) أي فكما يؤخذ (في حد
الإنسان مثلا باطنه و ظاهره و كذلك كل محدود) فكذلك يجب أن يؤخذ في حد الحق جميع الظواهر و جميع البواطن، حتى يكون محدودا بكل الحدود كما قال (فالحق محدود بكل حد و صور العالم لا تنضبط و لا يحاط بها و لا يعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل، أي لكل عالم من صورته. فلذلك يجهل حد الحق فإنه لا يعلم حده إلا على قدر ما حصل، أي لكل عالم من صورته. فلذلك يجهل حد الحق فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة، و هذا محال حصوله فحد الحق محال) أي لا يمكن لأحد الإحاطة بكل الظواهر و البواطن حتى يحيط بكل الحدود لأنها لا تنضبط، فلا يعلم عالم حد الحق و محال أن يعلم، فلا يزال حده مجهولا محالا علمه و وجوده، لأن مجموع الظواهر و البواطن ممكنات ليس بالمطلق، فمجموع الحدود أيضا ليس بحده.
قوله (و كذلك من شبهه و ما نزهه فقد قيده و حدده و ما عرفه) ظاهر، لأن من شبههه حصره في تعين، و كل ما كان محصورا في حد فهو بهذا الاعتبار خلق. و من هذا يعلم أن مجموع الحدود و إن لم يكن غيره ليس عينه، لأن الحقيقة الواحدة الظاهرة في جميع التعينات
__________________________________________________
فإن حد الإنسان مركب من الحيوان و الناطق، فكان بروحه مظهرا لاسمه الباطن، و بصورة جسده مظهرا لاسمه الظاهر، فعلم أن الحق هو الظاهر و الباطن بدلالة حد الإنسان (فالحق محدود بكل حد) و يؤخذ في كل محدود، إذ ما من شيء إلا و له ظاهر و باطن اه بالى.