شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٥٥
على العرش لأن الفيض كما يكون بالأسماء كذلك لا يمكن إلا على القوابل، فحكمة العطايا و الوهب اقتضت التعدد الأسمائية و وجود المحل الموهوب له، و أصل القابلية للطبيعة الجسمانية فغلب على قومه حكم التعدد و القوابل، حتى إذا بعد عهد النبوة و تطاول زمان الفترة اتخذوا الأصنام على صورة الأسماء و حسبوا الأسماء أجساما و أشخاصا و المعاد جسمانيا محضا لاقتضاء دعوته ذلك، فأوجب حالهم أن يدعوا إلى التنزيه و ينبهوا على التوحيد و التجريد و يذكروا الأرواح المقدسة و المعاد الروحاني، فبعث نوح عليه السلام بالحكمة السبوحية و الدعوة إلى التنزيه و رفع التشبيه، فكنسبته عليه السلام في الدعوة إلى الباطل إلى شيث عليه السلام نسبة عيسى إلى موسى عليه السلام.
قوله (اعلم أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد و التقييد) معناه أن التنزيه تمييزه عن المحدثات و الجسمانيات و عن كل ما لا يقبل التنزيه من الماديات، و كل ما تميز عن شيء فهو إنما يتميز عنه بصفة منافية لصفة التميز عنه، فهو إذن مقيد بصفة و محدود بحد فكان التنزيه عين التحديد غاية ما في الباب أن المنزه نزهه عن صفات الجسمانيات فقد شبهه بالروحانيات في التجريد، أو نزه عن التقييد فقد قيده بالإطلاق و الله منزه عن قيدى التقييد و الإطلاق، بل مطلق لا يتقيد بأحدهما و لا ينافيهما (فالمنزه إما جاهل و إما صاحب سوء أدب) إذا وقف عند التنزيه و لم يقل بالتشبيه، و هو معنى (و لكن إذا أطلقاه و قالا به) أي لم يتجاوزا إلى التشبيه و الجمع بينهما، لأنه إن لم يتبع الشرائع و نزهه تنزيها يقابل التقييد، بأن جعله منزها عن كل قيد مجردا فهو جاهل، و إن كان متبعا للشرائع، كما قال (فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه و وقف عند التنزيه و لم ير غير ذلك فقد أساء الأدب و أكذب الحق و الرسل صلوات الله عليهم و هو لا يشعر، و يتخيل أنه في الحاصل و هو في الفائت، و هو كمن آمن ببعض و كفر ببعض) فقد أساء الأدب و أكذب الحق و الرسل، لأن الكتب الإلهية و الرسل ناطقة بالجمع بين التشبيه و التنزيه و هو يخالفهما (و لا سيما و قد علم أن ألسنة الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت به إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول و على الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ، بأى
__________________________________________________
(أهل الحقائق) المطلعين بالحقائق الأسمائية (عين التحديد و التقييد) و الله منزه عن التحديد و التقييد، فهم ليسوا بمنزهين فقط بل هم منزهون في مقام التشبيه و المشبهون في التشبيه، فلا يمكن معرفة الحق بدون التحديد و التقييد (فالمنزه) فقط (إما جاهل) أي غير قائل بالشرائع كالفلاسفة و مقلديهم الذين ينزهون الحق بمقتضى عقولهم عن الصفات التي أخبر الحق عن اتصاف نفسه بها، فهم ضلوا و أضلوا (و إما صاحب سوء أدب) أي قائل بالشرائع (و لكن إذا أطلقاه) أي التنزيه عليه تعالى (و قالا به) أي اعتقدا بأن الله منزه عن الصفات الوجودية كالحياة و العلم و غيرها، فغير القائل بالشرائع هو الجاهل الكافر لا كلام فيه لظهور بطلانه لذلك ترك هذا القسم (فالقائل) أي المعتقد بالشرائع المؤمن إذا نزه اه بالى.