شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٥
العلم بأنها لا تنال إلا بعد سؤال بعثه علمه على السؤال و الباقي ظاهر (لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان) أي قد يقف الإنسان على استعداده لقبول شيء على الإجمال كما يقف أنه مستعد لقبول علم الفقه أو الطب و أمثال ذلك، و أما وقوفه على استعداده لكل جزئى زمانى كوقوفه على أن الله يرزقه اليوم كذا و غدا كذا فلا سبيل له لقوله تعالى- وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً- اللهم إلا أن يطلعه الله على بعضها.
قوله (و لو لا ما أعطاه على الاستعداد السؤال ما سأل) إشارة إلى أن كل ما يجرى على العبد في كل ساعة فهو باستعداد منه يقتضي ذلك الشيء له في ذلك الوقت، حتى أن السؤال أيضا إنما يكون باستعداد منه اقتضى ذلك السؤال في ذلك الوقت و إلا لما أمكنه أن يسأله (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه، فإنهم بحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان، و أنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد و هم صنفان: صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم، و صنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه، هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف) أهل الحضور مع الله هم الذين يرون كل ما يصل إليهم سواء كان على أيدى العباد أو لا على أيديهم من الله، و لا يرون غير الله في التأثير و لا في الوجود الذين يعلمون مثل هذا أي أن استعدادهم في كل وقت أي شيء يقبل فإنه لا يسعه إلا علم الله المحيط بكل شيء فغاية علمهم في حضورهم أن يعلموا ما أعطاهم الحق في الزمان الحاضر الذين يكونون فيه، و إنهم ما قبلوه إلا باستعدادهم الفطري العيني، و هؤلاء صنفان: صنف يعلمون من قبولهم العطاء أنهم كانوا يستعدون له و هم كثير، و صنف يعلمون الاستعداد قبل القبول فيعلمون من استعدادهم أنهم أي شيء يقبلون و هذا أتم معرفة الاستعداد و هم قليل، و لما قسم العطايا إلى ما يكون عن سؤال و إلى ما يكون عن غير سؤال، و قسم القسم الأول إلى ما يكون عن سؤال في أمر معين و إلى ما يكون عن سؤال في غير معين، ثم قسم السائلين بحسب الباعث على السؤال على قسمين، و فرغ من بيان القسمين قال (و من هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال و لا للإمكان و إنما يسأل امتثالا لأمر الله في قوله تعالى- ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ- فهو العبد المحض و ليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما يسأل فيه من معين أو غير معين، و إنما همته في امتثال أوامر سيده، فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إذا اقتضى التفويض و السكوت سكت، فقد ابتلى أيوب و غيره
__________________________________________________
فهو لا لكون العلم بما يعطيه الاستعداد من جملة ما في علم الله معتذرا، يلزم منه تعدد العلم بما في علم الله اه (و لو لا ما أعطاه) لكن لا يعلم ما أعطاه الحق في الزمان الذي يكون فيه، و لا يعلم في ذلك الزمان ما يقبل استعداده لعدم حضوره، فبهذا القدر من العلم بالاستعداد لا يكون من أهل الحضور، حتى خلص عن قيد سؤال الاحتياط و هو من أهل الطلب، فليس له نصيب في الاستعداد إلا على الإجمال اه بالى.
(فإذا اقتضى الحال) أي التجلي الإلهي الحاكم عليه في ذلك الوقت.