شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٤٢
منهم، اللهم اجعلنا من الجامعين الذين جمعت لهم كلمات الأولين و الآخرين من المحمديين البالغين السابقين برحمتك يا أرحم الراحمين.
(و ما ثم عبادة تمنع من التصرف في غيرها ما دامت) أي ما بقيت بمعنى ما ثبتت و استقرت، و هي قوله- ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ- فتكون تامة لا ناقصة (سوى الصلاة، و ذكر الله فيها أكبر ما فيها لما تشتمل عليه من أقوال و أفعال و قد ذكرنا صفة الرجل الكامل في الصلاة الفتوحات المكية كيف يكون لأن الله يقول- إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ- لأنه شرع للمصلي أن لا يتصرف في غير هذه العبادة ما دام فيها، و يقال له: مصل، و لذكر الله أكبر، يعنى فيها: أي الذكر الذي يكون من الله
لعبده حين يجيبه في سؤاله و الثناء عليه أكبر من ذكر العبد ربه فيها، لأن الكبرياء للَّه تعالى، و لذلك قال- وَ الله يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ- و قال- أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ- و إلقاؤه السمع هو لما يكون من ذكر الله إياه فيها، و من ذلك أن الوجود لما كان عن حركة معقولة نقلت العالم من العدم إلى الوجود عمت الصلاة جميع الحركات و هي ثلاثة: مستقيمة، و هي حال قيام المصلى) المراد بالحركة المستقيمة ليس ما عدا المستديرة كما هو اصطلاح الحكماء، بل التي تكون من جهة السفل إلى العلو على أحسن التقويم، و هو ما يضاد المنكوسة (و حركة أفقية و هي حال ركوع المصلى و حركة منكوسة و هي حال سجوده، فحركة الإنسان مستقيمة، و حركة الحيوان أفقية، و حركة النبات منكوسة و ليس للجماد حركة من ذاته فإذا تحرك حجر فإنما يتحرك بغيره) و المراد بهذه الحركات، الحركات الطبيعية المحسوسة: أي التوجه من الشيء في حركته إلى جهته، و إلا فقد يتحرك الإنسان بالإرادة حركة دورية لكنه ليس يتحرك بالطبع في نموه إلا على استقامة قامته بحيث يصعد رأسه إلى السماء كالحركة المعراجية، و الحيوان يتحرك في نموه بالطبع إلى جهة الأفق، و النبات يتحرك بطبعه في نموه منكوسا، فإن أصل النبات هو أصله الذي يوجهه نحو السفل ضد المستقيمة، فحركات العالم في وجوده لا تكون إلا على هذه الأنحاء الثلاثة، و كذلك حركات الوجود الكونى المعقولة من حقيقة العالم التي خرجت بها من الغيب إلى الشهادة على هذه الأنحاء، و هي الحركة الإرادية من الحق بالتوجه إلى العالم السفلى لإيجاده و هو التكوين بالحركة المنكوسة و بالتوجه إلى العالم العلوي لإيجاد عوالم الأسماء الإلهية و النسب، و هو الإبداع بالحركة المستقيمة و تندرج فيه الحركة الإرادية لإيجاد الأرواح و الأنفس، و بالتوجه إلى الأجرام السماوية المتوسطة بينهما من الأفق إلى الأفق، فإنها على هيئة الركوع حركة أفقية هذا في صلاة الحق المختصة به في التجلي الإيجاد، و كذا في الصلاة العبد باتصاله و ارتباطه بالحق بهذه الحركات الثلاث، أي القيام و الركوع و السجود هذا في أفعاله، و أما في أقواله فقد مر في الفاتحة فانظر إلى سريان سر الفردية المحمدية بالتثليث في كل تطلع على عجائب: