شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٤٠
و أما رفع الخبيث من العالم: أي من الكون فإنه لا يصح) يعنى رفع الخبيث عن الإدراك بالذوق فإن الطبائع مختلفة، و ليس الطيب إلا ما يلائم مزاج المدرك و طباعه، و الخبيث ما لا يلائم مزاجه و طبعه، و كل طيب بالنسبة إلى مدرك فقد يكون خبيثا بالنسبة إلى مريض و مزاجه مزاج الذي يستطيبه و يستلذه كما ذكر في رائحة الورد مع الجعل، فالطيب و الخبيث أمران نسبيان، فإن المبرود يكره رائحة الكافور و المحرور يستطيعه، فلا يصح رفع الخبيث عن الكون بالنسبة إلى صور الأسماء المتضادة المؤثرة في العالم، فأما من حيث أعيان الأشياء و حقائقها من حيث هي هي، من حيث أن الوجود الحق هو المتعين بكل شيء فليس شيء في العالم خبيثا. و أما كون بعض الأمور طيبا عند الحق و بعضه خبيثا عنده فذلك من حيث تعين ذلك الشيء في مرتبة ما فيطيب منه ما يشكل مرتبة و يناسبها في الحال، و يكره منه ما يضادها و ينافيها بحسب الحال، و الكل من حيث هو هو طيب له أي للَّه عنده و عند نفسه أيضا و كذلك عند الكامل العارف و إن وجد خبثه بحسب الحال و المرتبة في الحس كما ذكره، فإن إدراكه و وجدانه لطيبة من هذه الحيثية يشغله عن إدراك خبثه بالحس فلذلك قال (و رحمة الله في الخبيث و الطيب) أي حاصلة فيهما بالنسبة و الإضافة، و بالنظر إلى ذات كل واحد منهما (و الخبيث عند نفسه طيب و الطيب عنده خبيث، فما ثم شيء طيب إلا و هو من وجه في حق مزاج ما خبيث، و كذلك بالعكس) كما مر آنفا.
(و أما الثالث الذي به كملت الفردية فالصلاة، فقال «و جعلت قرة عينى في الصلاة» لأنها مشاهدة) لأن عين الحبيب إنما تكون بمشاهدة الحبيب (و ذلك لأنها) أي الصلاة (مناجاة بين الله و بين عبده كما قال الله تعالى- فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ- و هي عبادة مقسومة بين الله و بين عبده بنصفين فنصفها للَّه و نصفها للعبد، كما ورد في الخبر الصحيح عن الله تعالى أنه قال قسمت الصلاة بينى و بين عبدى نصفين فنصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل يقول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الله: ذكرني عبدى، يقول العبد:
الحمد للَّه رب العالمين، يقول الله حمدنى عبدى، يقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله أثنى على عبدى، يقول العبد: مالك يوم الدين، يقول الله: مجدنى عبدى فوض إلى عبدى فهذا النصف كله للَّه تعالى خالص، ثم يقول العبد: إياك نعبد و إياك نستعين، يقول الله هذا بينى و بين عبدى و لعبدي ما سأل» فأوقع الاشتراك في هذه الآية «يقول العبد:
__________________________________________________
لأنها أي الصلاة إذا وقعت على وجه الكمال، كما قال على رضى الله عنه: لم أعبد ربا لا أراه مشاهدة و مشاهدة المحبوب تقر عين المحب، و ذلك: أي كونها مشاهدة لأنها مناجاة بين الله و بين عبده، و لا بد في المناجاة من مشاهدة كل من الطرفين لمناجاة الآخر، و لأن المناجاة ذكر، و المناجى ذاكر لربه، و الذاكر جليس المذكور، و الجليس مشاهد للجليس الآخر، و كون المناجاة بين الله و بين عبده ككون الذكر بينهما، كما قال تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ و هي: أي الصلاة عبادة مقسومة جامى.