شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٣٩
طيب و منه خبيث (فقال في خبث الثوم هي شجرة أكره ريحها و لم يقل أكرهها فالعين لا تكره) لأنه أمر إلهى و كذلك النفس (و إنما يكره ما يظهر منها، و الكراهة لذلك إما عرفا أو بملاءمة طبع أو عرض أو شرع أو نقص عن كمال مطلوب، و ما ثم غير ما ذكرناه) فلذلك قد يكون المدح و الذم في الرائحة و النفس بحسب القابل و الشام و السامع، لا من جهة المحل: أي الرائحة و المنفس، فقد يكون القول في نفسه طيبا، و يكرهه السامع لأنه لا يوافق غرضه، و كذلك الرائحة.
(و لما انقسم الأمر إلى خبيث و طيب كما قررناه حبب إليه الطيب دون الخبيث) لمناسبته لذاته الطيبة الطاهرة (و وصف الملائكة بأنها تتأذى بالروائح الخبيثة لما في هذه النشأة العنصرية من التعفين فإنه مخلوق من صلصال من حمإ مسنون) أي متغير الريح (فتكره الملائكة بالذات) لأنه لا بد لهذه النشأة من العفونات و الفضلات المنتنة فلا تناسب ذواتهم المجردة الطيبة الطاهرة، و لذلك أمرنا بطهارة الثوب و الجسد و دوام الوضوء لتناسب ذواتنا الذات الملكوتية، و لذا يحب خبيث الجوهر الخبائث و يكره الطيبات (كما أن مزاج الجعل يتضرر برائحة الورد و هي من الروائح الطيبة، فليس ريح الورد عند الجعل بريح طيبة، و من كان على مثل هذا المزاج معنى و صورة أضر به الحق إذا سمعه و سر بالباطل، و هو قوله تعالى- وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ- و وصفهم بالخسران فقال- أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ- فإنه لم يدرك الطيب من الخبيث) أي لم يميزه منه (فلا إدراك له، فما حبب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا الطيب من كل شيء، و ما ثم إلا هو) أي و ما بحضرته إلا هو: أي الطيب (و هل يتصور أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلا الطيب من كل شيء لا يعرف الخبيث أم لا؟ قلنا: هذا لا يكون) إلا إذا انحرف عن الاعتدال الطبيعي و آل إلى مزاج مرضى، كما أن بعض من انحرف مزاجه يجد من كل شيء رائحة الدخان و العفونة في هذا الإدراك و التمييز (فإنا وجدناه في الأصل الذي ظهر العالم منه و هو الحق فوجدناه يكره و يحب، و ليس الخبيث إلا ما يكره و لا الطيب إلا ما يحب، و العالم على صورة الحق، و الإنسان على الصورتين فلا يكون، ثم مزاج لا يدرك إلا الأمر الواحد من كل شيء بل ثم مزاج يدرك الطيب من الخبيث مع علمه بأنه خبيث بالذوق و طيب بغير الذوق فيشغله إدراك الطيب منه عن الإحساس بخبثه هذا قد يكون،
__________________________________________________
فتكره الملائكة بالذات لعدم ملاءمة طبعهم فتكره عين الإنسان لهم لما ظهرت منه من تعين الريح فيتضرر مزاج الملائكة دون غيرهم بالى.
و الإنسان على الصورتين: أي مخلوق على صورتى الحق و العالم، و الصورة ما يمتاز به الشيء عن غيره، و المطلوب هنا أن العالم و الإنسان على صورة أسمائه و صفاته فيكون فيهما الاختلاف و التنافي، فإنه تعالى يحب الشيء و يكرهه لا في مقام جمعه فيوجد فيهما الطيب و الخبيث بالى.