شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٣١
و إماتة القوى، كما قيل: مت بالإرادة تحيى بالطبيعة. و أما قيامة أهل الشهود فهي الطامة الكبرى بعد الفناء في الحق، و فناء الخلق بارتفاع حجب الجلال النورانية و الظلمانية بإحراق نور جمال الوجه الباقي إياها، كما قال عليه الصلاة و السلام «إن للَّه تعالى سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة لو كشفها لاحترقت سبحات الجلال» من غير إشارة، و ذلك الفناء هو الموت الحقيقي الطبيعي لكل ممكن، و القيامة بعده هو البقاء بعد الفناء الذي يشهد التعين نسبة ذاتية للمتعين و شأنا من شئونه الذاتية، و يرى عينه إياه فهو دائما فناء عن ذاته و بقاء بربه، فتحقق أن كل مرتبة من اللقاء لا تكون إلا بموت، و لا يذوق بعده الموت إلا الموتة الأولى، و الله الباقي بعد فناء الخلق:
يحن الحبيب إلى رؤيتى و إنى إليه أشد حنينا
و تهفو النفوس و تأبى القضا فأشكو الأنين و يشكو الأنينا
يقول الشيخ قدس سره: إن الحق يقول على لسانى من حيث المرتبة فإنه المحب للعارف به المحب له فإن حنين العبد عن محبته، و محبته عن محبة الله إياه كما قال «يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ» فلو لا محبة الحق إياه لما أحب الحق فحنينه عن حنين الحق إليه أشد كما ذكر، فإن الحق من حيث تعينه في عين عبده يشتاق و يتقرب إلى نفسه ثم يجازى المسمى عبدا عن شوقه إليه و يقربه بالشوق و التقرب إلى عبده المشتاق و التقرب و المجازاة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى ما لا يتناهى من الأضعاف، فيكون شوق العبد إليه بما لا يقدر قدره، و تهفو: أي تضطرب إليه النفوس من شدة الشوق حبا للموت الذي هو وسيلة اللقاء، و يأبى القضا الأجل المسمى الذي عينه الحق فيبقى شوق الأنين من الطرفين (فلما أبان أنه نفخ فيه من روحه فما اشتاق إلا إليه) أي إلى نفسه للنبوية المذكورة بإنية العبد و تعينه (ألا تراه خلقه على صورته لأنه من روحه. و لما كانت نشأته من هذه الأركان الأربعة المسماة في جسده أخلاطا) فإن الأركان ما لم تصر أخلاطا لم تصر أعضاء (حدث عن نفخه اشتعال بما في جسده من الرطوبة) يعنى الحرارة الغريزية التي تشتعل بمادة الرطوبة الغريزية من الروح الإنسانى (فكان روح الإنسان نارا لأجل نشأته) أي الروح الحيواني الذي به حياة البدن و هو النفس باصطلاح أهل التصوف، فإنها نارية الجوهر و الروح الإنسانى بظاهر صورة
__________________________________________________
أشد حنينا، فإن كل واحد من الحق و العبد يكون محبا و محبوبا، فالحق محب العبد و محبوب له، و كذلك العبد و تهفو النفوس في طلب رؤيتى، و يأبى القضاء و التقدير الإلهي عن حصول مرادهم قبل وقت الأجل فأشكر الأنين: أي فأشكو من الأزمنة و الأنين إلى أن جاء الأجلى، و يشكو الحبيب الأنينا لكون الأنين حائلا بينى و بين حبيبى بالى.
فظهر أن الروح يتبع في الظهور النشأة فكان في النشأة الطبيعية نورا كما في الملائكة، و نارا كما في الإنسان بالى.