شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٢٤
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً- و هناك لا اثنينية فلا خطاب و لا كلام إلا بعد الإفاقة و الله الباقي بعد فناء الخلق، و الله أعلم بالصواب.
(٢٦) فص حكمة صمدية في كلمة خالدية
إنما اختصت الكلمة الخالدية بالكلمة الصمدية، لأن دعوته إلى الأحد الصمد، و مشهده الصمدية، و هجيره في ذكره الأحد الصمد، و كان في قومه مظهر الصمدية يصمدون إليه في المهمات، و يقصدونه في الملمات، فيكشف الله عنهم بدعائه البليات.
(و أما حكمة خالد بن سنان فإنه أظهر بدعواه النبوة البرزخية) أي الحجابية التي تكون في عالم المثال بعد الموت، فإنه لم يظهر نبوته في حياته، و لذلك لم يعتبرها نبينا صلى الله عليه و سلم حيث قال «إنى أولى الناس بعيسى ابن مريم فإنه ليس بينى و بينه نبى» فعلم أنه لم يكن نبيا في هذا الموطن (فإنه ما ادعى الإخبار بما هنالك إلا بعد الموت) أي ادعى أنه يخبر بعد موته عن أحوال الآخرة (فأمر أن ينبش عليه و يسأل فيخبر أن الحكم في البرزخ على صورة الحياة الدنيا، فيعلم بذلك صدق الرسل كلهم فيما أخبروا به في حياتهم الدنيا، فكان غرض خالد عليه السلام إيمان العالم كله بما جاء به الرسل ليكون رحمة للجميع، فإنه تشرف بقرب نبوته من نبوة محمد صلى الله عليه و سلم، و علم أن الله أرسله رحمة للعالمين و لم يكن خالد برسول، فأراد أن يحصل من هذه الرحمة في الرسالة المحمدية على حظ وافر و لم يؤمر بالتبليغ فأراد أن يحظى بذلك في البرزخ ليكون أقوى في العلم في حق الخلق فأضاعه قومه) فلما استشرف خالد عليه السلام كمال نبوة محمد و علم أنه المبعوث رحمة للعالمين كافة تمنى أن يكون له عموم أنباء و نبوة مستندة إلى العلم الحاصل للكافة بما في البرزخ بعد الموت، فإن العامة لا ينقادون لأنباء الأنبياء انقيادهم لأنباء من ينبئ بعد أن يموت فيحييه الله فيخبر بما شاهد هنالك، فإن تأثير مثل ذلك في إيمان عموم الخلق أبلغ.
و كان من قصته عليه السلام أنه كان قوى الهمة و الغالب عليه شهود الأحدية، و كان هو و قومه يسكنون بلاد عدن فظهرت بينهم نار عظيمة خرجت من مغارة فأهلكت الزرع و الضرع فصمد إليه قومه على ما اعتادوا منه في دفع الملمات حتى يدفع عنهم أذى تلك النار و كانوا مؤمنين به، فأخذ خالد يضرب تلك النار بعصاه من خلفها و يقول: بدّا بدا حتى بردت النار فرجعت هاربة منه إلى المغارة التي خرجت منها و هو يسوقها حتى أدخلها، ثم قال لأولاده و قومه: إنى أدخل المغارة خلف النار حتى أطفئها، فأمرهم أن يدعوه بعد ثلاثة أيام تامة فإنهم إن نادوه قبل انقضائها فهو يخرج و يموت، و إن صبر و أخرج سالما و قد دفع عنهم مضرة النار، فلما دخل صبروا يومين و استفزهم الشيطان فلم يصبروا