شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٢٣
فهو صاحب إيمان بما ثم فلا يقبض إلا على ما كان عليه» لأن كان حرف وجودى) أي لفظة كان كلمة وجودية (لا ينجر معه الزمان إلا بقرائن الأحوال) أي لا يدل على الزمان كقوله تعالى- وَ كانَ الله عَلِيماً حَكِيماً- و كان زيد قائما، فإن معناه ثبوت الخبر للاسم و وجوده على الصيغة المذكورة و أما قرائن الأحوال فكما تشاهد فقر زيد، فيقال لك: كان زيد غنيا: أي في الزمان الماضي فافتقر، و كقول الشيخ: كنت شابا قويا، و المراد أن معنى الحديث أنه يقبض على ما هو عليه، و إطلاق الحرف على ما كان حرف وجودى مجاز، كقولهم في حرف إنى كذا أي قرأته (فنفرق بين الكافر المحتضر في الموت، و بين الكافر المقتول غفلة أو الميت فجأة، كما قلنا في حد الفجأة) هذه بشارة لمن احتضر من الكفار و المحجوبين بأنه يشهد الملائكة و أحوال الآخرة قبل موته، فهو مؤمن بحكم ما يشهد و لكن قد يكون إيمانه حال الغرغرة و الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، و لا شك أن كل
محتضر يشاهد ذلك لكن الكلام في أنه لا ينفعه إيمانه حينئذ بما لم يعتقد قبل ذلك فلم يخبر الشيخ عن ذلك، و الحق أنه لا ينفعه لقوله تعالى- يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمانِها خَيْراً-.
(و أما حكمة التجلي و الكلام في صورة النار فلأنها كانت بغية موسى فتجلى له في مطلوبه ليقبل عليه و لا يعرض عنه، فإنه لو تجلى له في غير صورة مطلوبه أعرض عنه لاجتماع همه على مطلوب خاص، و لو أعرض لعاد عمله عليه فأعرض عنه الحق، و هو مصطفى مقرب، فمن قربه أنه تجلى له في مطلوبه و هو لا يعلم.
كنار موسى رآها عين حاجته و هو الإله و لكن ليس يدريه
و لما كان موسى عليه السلام مصطفى محبوبا جذبه الله تعالى بأن و فقه لمصلحة شعيب عليه السلام حتى عرفه الحق و حببه إليه فكان الغالب عليه طلب الشهود، و الشهود لا يكون إلا في صورة أشرف، و لا أشرف من صور أركان العالم كالنار، فإنها تناسب حضرة الحق بالصفتين اللتين هما أجل الصفات الذاتية و أقدمها و هما القهر و المحبة فالإحراق في النار أثر القهر بأنها ما مست شيئا قابلا لتأثيرها إلا أفنته، كما أن الله تعالى ما تجلى لشيء إلا أفناه و التجلي لا يكون إلا بحسب قبول المتجلى له و النورية أثر المحبة، فإن النور لذاته محبوب فمن عنايته أحوجه إلى النار فاستولى على باطنه و ظاهره صفتا القهر و المحبة من التجلي و المتجلى فيها، فإنه لا بد للمتجلى له أن يتصف بصفة المتجلى و يناسب المتجلى فيه، و هذا هو الشهود المثالي في مقام التفرقة قبل الجمع، و مقام المكالمة المقتضى للاثنينية، و أما الشهود الحقيقي فهو يقتضي فناء المتجلى له في المتجلى، و ذلك في قوله-
__________________________________________________
فهو صاحب إيمان بما ثمة: أي يؤمن بالذي يشاهده من الوعد و الوعيد، فإنه ثبت بالنص بأن كل كافر لا يموت إلا و هو مؤمن لكن لا ينفع إيمان من تيقن بالموت، و على أي حال فالمحتضر صاحب إيمان بالى.