شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٢٢
اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ- و- ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ- و الرحمن لا يأتى إلا بالرحمة، و من أعرض عن الرحمن استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة، و أما قوله- فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ- و نظيره في سورة يونس مع الاستثناء في قوله- فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ- أي في وقت رؤيتهم العذاب- فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ- (فلم يك ذلك على أنه لا ينفعهم في الآخرة بقوله) أي بدليل قوله (في الاستثناء- إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا- (فأراد أن ذلك لا يرفع عنهم الأخذ في الدنيا فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه هذا إن كان أمره أمر من تيقن بالانتقال في تلك الساعة، و قرينة الحال تعطى أنه ما كان على يقين من الانتقال) أي من الدنيا إلى الآخرة (لأنه عاين المؤمنين يمشون في الطريق اليبس التي ظهرت بضرب موسى عليه السلام بعصاه البحر فلم يتيقن فرعون الهلاك إذ آمن بخلاف المحتضر حتى لا يلحق به (أي لم يتيقن فرعون بالهلاك وقت الإيمان حتى يلحق بالمحتضر الذي يؤمن بعد تيقنه بالهلاك فلا يلحق به (فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقن بالنجاة فكان كما تيقن لكن على غير الصورة التي أراد فنجاه من عذاب الآخرة في نفسه و نجى بدنه كما قال تعالى- فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً- لأنه لو غاب بصورته ربما قال قومه احتجب) أي عن الأبصار فارتقى إلى السماء أو غاب بنوع آخر بناء على ما اعتقدوا في حقه أنه إله (فظهر بالصورة المعهودة ميتا ليعلم أنه هو، فقد عمته النجاة حسا و معنى) حسا بالصورة و معنى بالروح للإيمان، لأن الخطاب إن كان للمجموع فذلك و إن كان للروح فمعناه مع بدنك، و الله أعلم بحاله.
(و من حقت عليه كلمة العذاب الأخروى لا يؤمن و لو جاءته كل آية حتى يروا العذاب الأليم: أي يذوقوا العذاب الأخروى فخرج فرعون من هذا الصنف، هذا هو الظاهر الذي ورد به نص القرآن، ثم إنا نقول بعد ذلك و الأمر فيه إلى الله لما استقر في نفوس عامة الخلق من شقائه، و ما لهم نص في ذلك) أي في شقائه الأبدى (يسندون الشقاء إليه، و أما آله فلهم حكم آخر ليس هذا موضع ذكره، ثم ليعلم أنه ما يقبض الله أحدا إلا و هو مؤمن أي مصدق بما جاءت به الأخبار الإلهية و أعنى من المحتضرين، و لهذا يكره موت الفجأة و قتل الغفلة، فأما موت الفجأة فحده أن يخرج النفس الداخل و لا يدخل النفس الخارج فهذا موت الفجأة و هذا غير المحتضر، و كذلك قتل الغفلة بضرب عنقه من ورائه و هو لا يشعر فيقبض على ما كان عليه من إيمان أو كفر، و لذلك قال عليه الصلاة و السلام «يحشر على ما مات عليه كما أنه يقبض على ما كان عليه و المحتضر ما يكون إلا صاحب شهود،