شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٢١
يقال: رب المدينة و رب القوم و رب العبيد، و بمعنى المربي يقال: رب الصبى و رب الطفل و رب المتعلم، و لا يطلق بدون الإضافة إلا على رب العالمين فالرب المطلق بلام التعريف هو الله وحده فله الربوبية على الحقيقة بالمعاني الثلاثة و لغيره عرضية لأنه مجلى و مظهر لها فهي صفة لعين واحدة ظاهرة بصور كثيرة، فكل من ظهر له ربوبية عرضية بحسب ما أعطاه من التصرف و التحكم في ملكه و عبيده و مرباه، و تختلف المظاهر في تجلى صفة الربوبية و تتفاضل، فمن كان أكثر تصرفا و تحكما بالنسبة إلى غيره كانت ربوبيته أعلى، و لما كان فرعون صاحب السلطنة في وقته متحكما في قومه بحسب إرادته ادعى أنه ربهم الأعلى (أي و إن كان الكل أربابا) بنسبة ما و إضافة لمن يربه (فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم، و لما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه و أقروا له بذلك فقالوا- فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا- فالدولة لك فصح قوله- أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى و إن كان عين الحق فالصورة لفرعون) أي و إن كان الرب الأعلى مطلقا هو عين الحق فإنه تعالى بأحديته الذاتية و الأسمائية ظاهر في كل صورة بقدر قابليتها فله أحدية جميع الربوبية الأسمائية في الكل بالحقيقة بجميع المعاني الثلاثة، لكن الصورة القابلة لما قبلها من المعاني صورة فرعون (فقطع الأيدى و الأرجل فصلب بعين حق في صورة باطل) فإن الله تعالى بالمشيئة الذاتية تجلى بها في صورة الأعيان شاء ذلك «ما شاء الله» كان فالوجود بما يجرى فيه تبع لإرادته و هو الفاعل لما يحدث فيه فكما قال بلسان الذي أنطق به كل حى و ميت و جماد في صورة الهداية و الغي- أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى- فكذلك فعل ما فعل بيد الحق في صورة باطل بالنسبة إلى تجليه باسمه الهادي و العدل و الكامل في العرف الناموسي: أي الشرع، فإن التمييز بين الحق و الباطل و الحسن و القبح إنما هو في الأحكام الإلهية الشرعية التي يظهر بها كمال الوجود، و أما سائر المراتب فلكل مرتبة حكم مختص بها كما علل فعله الشنيع الباطل القبيح بقوله (لنيل مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل) مثل المهابة و السلطنة و إلقاء الرعب في قلوب الناس ليسخروا و ينقادوا لحكمه (فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيها لأن الأعيان الثابتة اقتضتها فلا تظهر في الوجود إلا بصورة ما عليه في الثبوت إذ- لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله- و ليست كلمات الله سوى أعيان الموجودات فينسب إليه القدم من حيث ثبوتها، و ينسب إليها الحدوث من وجودها و ظهورها، كما تقول: حدث عندنا اليوم إنسان أو ضيف، و لا يلزم من حدوثه أنه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث، و لذلك قال الله تعالى في كلامه العزيز في إتيانه مع قدم كلامه- ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا
__________________________________________________
لنيل كل من السحرة و فرعون مراتب لا تنال إلا بذلك، أما فرعون فلأن السلطنة لا بد منها، و المجازاة في الآخرة، و أما السحرة فإنهم لا ينالون درجة الشهادة إلا بها بالى.