شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣١٤
يعنى أن قوله لما خفتكم عليه منه عليه السلام لفهم العامة، فإنهم لا ينظرون إلا في السبب القريب لا في الحقيقة كما ذكر (فجاء إلى مدين فوجد الجاريتين فسقى لهما من غير أجر، ثم تولى إلى الظل الإلهي فقال- رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ من خَيْرٍ فَقِيرٌ- فجعل عين عمله السقي عين الخير الذي أنزل الله إليه، و وصف نفسه بالفقر إلى الله في الخير الذي عنده) لأنه عليه السلام تحقق أن له عند الله خيرا نزل إليه، و قد أنزل الله هذا الخير: أي عمل السقي إليه، فإنه خير في نفسه فعرض حاجته إلى الله في الخير الذي عنده مطلقا أو من الدنيا: أي إنى لأجل الذي أنزلت إلى من خير الدين فقير إليك فيه أو من الدنيا، قال:
ذلك شكرا للَّه و إظهارا للرضا بالخير الديني من الخير الدنيوي أي بدله (فأراه الخضر إقامة الجدار من غير أجر فعتبه على ذلك فذكره بسقايته من غير أجر إلى غير ذلك مما لم يذكر، حتى تمنى صلى الله عليه و سلم أن يسكت موسى عليه السلام و لا يعرض، حتى يقص الله عليه من أمرهما) روى أنه صلى الله عليه و سلم قال «ليت أخى موسى سكت حتى يقص الله علينا من أنبائهما» و روى عن الشيخ قدس سره: أنه اجتمع بأبى العباس الخضر عليه السلام، فقال: كنت أعددت لموسى بن عمران ألف مسألة مما جرى عليه من أول ما ولد إلى زمان اجتماعه فلم يصبر على ثلاث مسائل منها (تنبيها لموسى من الخضر أن جميع ما جرى عليه و يجرى إنما هو بأمر الله و إرادته الذي لا يمكن وقوع خلافه، فإن العلم بها من خصوص الولاية، و أما الرسول فقد لا يطلع عليه فإنه سر القدر، و لو اطلع عليه لربما كان سببا لفتوره عن تبليغ ما هو مأمور بتبليغه فطوى الله علم ذلك عن بعض الرسل رحمة منه بهم، و لم يطوه عن نبينا صلى الله عليه و سلم لقوة حاله، و لهذا قال- أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ- فيعلم بذلك ما وفق إليه موسى عليه السلام من غير علم منه) الظاهر أنه فيعلم بالياء و النصب عطفا على يقص و الفاعل هو الرسول عليه السلام، و يجوز أن يكون فنعلم بالنون و الرفع عطفا على قصة الخضر: أي فنعلم نحن ما أراه الخضر ما وفق لموسى عليه السلام، و أجرى على يده من الخيرات من غير علم منه (إذ لو كان عن علم ما أنكر مثل ذلك على الخضر الذي قد شهد الله له عند موسى و زكاه و عدله، و مع هذا غفل موسى عن تزكية الله له و عما شرط عليه في أتباعه رحمة بنا إذا نسينا أمر الله، و لو كان موسى عالما بذلك لما قال له الخضر- ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً- أي إنى على علم لم يحصل لك عن ذوق كما
__________________________________________________
فما أورد في هذا الكتاب إلا ما ذكر في كلام رب العزة. و روى عن الشيخ أنه قد أخبر الخضر في كشفه فقال: أعددت لموسى بن عمران ألف مسألة مما جرى عليه من أول ما ولد إلى زمان الاجتماع مما وفق إليه موسى من غير علم فلم يصبر موسى على ثلاث مسائل منها، فاستخبر الشيخ هذه المسائل كلها من الخضر فأخبره تفصيلا و لم يذكرها الشيخ حفظ للأدب بالى.