شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣١٣
(و كذلك تكمل مراتب الوجود، فإن الوجود منه أزلى و غير أزلى و هو الحادث فالأزلى وجود الحق لنفسه) يعنى حقيقة الوجود من حيث هو وجود لأن الحق له حقيقة غير الوجود فيضاف الوجود إليها كسائر الماهيات (و غير الأزلى وجود الحق بصور العالم الثابت) أي الوجود الذي هو الحق أي الوجود الظاهر بصور العالم الثابت عينه في العالم الأزلى، و يسمى الوجود الإضافي (فيسمى حدوثا لأنه ظهر بعضه لبعضه) كظهور سائر الأكوان للإنسان (و ظهر لنفسه بصور العالم فكمل الوجود فكانت حركة العالم حبية للكمال فافهم، ألا تراه كيف نفس عن الأسماء الإلهية ما كانت تجده من عدم ظهور آثارها في عين مسمى العالم فكانت الراحة محبوبة له) لأن الراحة إنما هي بالوصول إلى الكمال المحبوب الذي يصفو به الحب عن ألم الشوق عند الفراق فهي الابتهاج الحاصل بصفاء الحب عن شوب الألم، و لأنها كمال لذة الحب بالوصل قال (و لم يوصل إليها إلا بالوجود الصوري) أي الظاهر (الأعلى و الأسفل، فثبت أن الحركة كانت للحب فما ثم حركة في الكون إلا و هي حبية، فمن العلماء من يعلم ذلك، و منهم من يحجبه السبب الأقرب لحكمه في الحال و استيلاؤه على النفس، و كان الخوف لموسى مشهودا له بما وقع من قتله القبطي، و تضمن الخوف حب النجاة من القتل ففر لما خاف، و في المعنى ففر لما أحب النجاة من فرعون و عمله به، فذكر السبب الأقرب المشهود له في الوقت الذي هو كصورة الجسم للبشر، و حب النجاة متضمن فيه تضمن الجسد للروح المدبر له، و الأنبياء لهم لسان الظاهر به يتكلمون لعموم الخطاب و اعتمادهم على فهم العالم السامع فلا تعتبر الرسل إلا العامة لعلمهم بمرتبة أهل الفهم، كما نبه عليه الصلاة و السلام، و على هذه الرتبة في العطايا فقال «لأعطى الرجل و غيره أحب إلى منه مخافة أن يكبه الله في النار» فاعتبر ضعيف العقل و النظر الذي غلب عليه الطمع و الطبع، فكذا ما جاءوا به من العلوم جاءوا به و عليه خلعة أدنى الفهوم ليقف من لا غوص له عند الخلعة فيقول: ما أحسن هذه الخلعة و يراها غاية الدرجة، و يقول صاحب الفهم الدقيق الغائص على درر الحكم بما استوجب هذا: هذه الخلعة من الملك، فينظر في قدر الخلعة و صنفها من الثياب) و هذا ظاهر الكلام (فيعلم منها قدر من خلعت عليه فيعثر على علم لم يحصل لغيره ممن لا علم له بمثل هذا) و هو أن ظاهر الكلام بقدر أدنى الفهوم و باطنه و حقائقه و لطائفه بقدر أعلاها، كما قال عليه الصلاة و السلام «ما من آية إلا و لها ظهر و بطن و لكل حرف حد و لكل حد مطلع».
(و لما علمت الأنبياء و الرسل و الورثة أن في العالم من أمتهم من هو بهذه المثابة عمدوا في العبارة إلى اللسان الظاهر الذي يقع فيه اشتراك الخاص و العام فيفهم منه الخاص ما فهم العامة منه و زيادة مما صح له به اسم أنه خاص فيتميز عن العامي فاكتفى المبلغون العلوم بهذا فهذا حكمة قوله- فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ- و لم يقل ففرت منكم حبا للسلامة و العافية)