شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣١٢
أيضا خرق السفينة التي ظاهرها هلاك و باطنها نجاة من يد الغاصب، جعل له ذلك في مقابلة التابوت له الذي كان في اليم مطبقا عليه، فظاهره هلاك و باطنه نجاة، و إنما فعلت به أمه ذلك خوفا من يد الغاصب فرعون أن يذبحه صبرا و هي تنظر إليه مع الوحى الذي ألهمها الله به من حيث لا تشعر فوجدت في نفسها أنها ترضعه فإذا خافت عليه ألقته في اليم، لأن في المثل عين لا ترى قلب لا يفجع فلم تخف عليه خوف مشاهدة عين و لا حزنت عليه حزن رؤية بصر، و غلب على ظنها أن الله ربما رده إليها لحسن ظنها به، فعاشت بهذا الظن في نفسها و الرجاء يقابل الخوف و اليأس، و قالت حين ألهمت لذلك: لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون و القبط على يديه، فعاشت و سرت بهذا التوهم و الظن بالنظر إليها) إنما هو توهم و ظن بالنسبة إليها (و هو علم في نفس الأمر) متحقق عند الله (ثم إنه) أي موسى (لما وقع عليه الطلب خرج فارا خوفا في الظاهر، و كان في المعنى حبا في النجاة، فإن الحركة أبدا إنما هي حبية و يحجب الناظر فيها بأسباب أخر) كالغضب و الخوف و الحزن و الميل، و قد يتحقق ذلك مما ذكر في الهوى، و المحجوب عن الأصل يسندها إلى الأسباب القريبة، و لهذا عللها لفرعون
المحجوب في قوله- فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ- بالخوف لاحتجابه عن الأصل، فإنه لو لا حب الحياة لما خاف، و كيف لا و الخوف يقتضي الجمود و السكون لا الحركة (و ليست تلك و ذلك لأن الأصل حركة العالم من العدم الذي كان ساكنا فيه إلى الوجود، و لذلك يقال: إن الأمر حركة عن سكون فكانت الحركة التي هي وجود العالم حركة حب، و قد نبه رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك بقوله «كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف» فلو لا هذه المحبة ما ظهر العالم في عينه فحركته من العدم إلى الوجود حركة حب الموجد لذلك) أي لأن يعرف و يشهد ذاته من ذاته و من غيره على تقدير وجود الغير بالاعتبار (و لأن العالم أيضا يحب شهود نفسه وجودا كما شهدها ثبوتا، فكانت بكل وجه حركة من العدم الثبوتي إلى الوجود العيني حركة حب من جانب الحق و جانبه، فإن الكمال محبوب لذاته، و علمه تعالى بنفسه من حيث هو غنى عن العالمين هو له) دون اعتبار غيره، فإنه تعالى من تلك الحيثية ليس إلا الذات وحدها فلم يكن معه شيء (و ما بقي إلا تمام مرتبة العلم بالعلم الحادث الذي يكون من هذه الأعيان أعيان العالم إذا وجدت، فيظهر صورة الكمال بالعلم المحدث و القديم فيكمل مرتبة العلم بالوجهين) فإن العلم القديم غيب لم يكن له ظهور و انتشار، و بالظهور في المظاهر المسمى حدوثا يكمل كمال العلم الغيبى
__________________________________________________
(حب الموجد لذلك للعالم) أي السبب لحركة العالم حب الله الموجد للعالم، فكان الحق يحب حركة العالم من العدم إلى الوجود ليكون مظهرا لكمالاته الذاتية و الأسمائية و الصفاتية بالى.
في الوقت متعلق بقوله فذكر: أي ذكر في وقت ملاقاته فرعون، و هو قوله- فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ- إلخ الذي أي السبب الأقرب الذي هو كصورة الجسم البشر اه بالى.