شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣١١
الذي منه جاء هو الاسم الإلهي الذي رباه الله به موسى، و ذلك تجليه تعالى بذاته في صورة عينه الثابتة و غذاؤه علم ذلك العين و نقشه، و ذلك خزانة الاسم العلم الإلهي المختص بموسى و عينه من التعينات الكلية الشاملة لتعينات جزئية كثيرة مندرجة تحتها كما مر، فهو يتغذى من ذلك الأصل (كما أن فرع الشجرة لا يتغذى إلا من أصله، فما كان حراما في شرع يكون حلالا في شرع آخر، يعنى في الصورة، أعنى قولى يكون حلالا، و في نفس الأمر ما هو عين ما مضى لأن الأمر خلق جديد و لا تكرار، فلهذا نبهناك) يعنى أن الأمر الذي كان حراما في شرع يكون حلالا في شرع آخر، و إن كان عينا واحدة في الصور النوعية و الحقيقة، لكن الذي هو حلال في شرع ليس بعينه ذلك الحرام الذي مضى في الشرع السابق بناء على أن كل شيء في كل آن خلق جديد، و لا تكرار في التجلي كما ذكر غير مرة.
(و كنى عن هذا في حق موسى بتحريم المراضع) فإن اللبن صورة العلم النافع أعنى علم الشريعة الذي هو غذاء الروح الأخص حتى يكمل (فإنه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته، فإن أم الولادة حملته على وجه الأمانة فتكون فيها، و تغذى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتى لا يكون لها عليه امتنان، فإنه ما تغذى إلا بما أنه لو لم يتغذ به و لم يخرج عنها ذلك الدم لأهلكها و أمرضها، فللجنين المنة على أمه بكونه تغذى بذلك الدم، فوقاها بنفسه من الضرر الذي كانت تجده لو امتسك ذلك الدم عندها و لا يخرج و لا يتغذى به جنينها، و المرضعة ليست كذلك فإنها قصدت برضاعته حياته و إبقاءه فجعل الله ذلك لموسى في أم ولادته، فلم يكن لامرأة عليه فضل إلا لأم ولادته لتقر عينها أيضا بتربيته، و تشاهد انتشاءه في حجرها و لا تحزن، و نجاه الله من غم التابوت فخرق ظلمة الطبيعة بما أعطاه الله من العلم الإلهي، و إن لم يخرج عنها) أي عن الطبيعة بالمفارقة الكلية بل خرق حجابها بالتجرد عنها عن غواشيها إلى عالم القدس، كما قال تعالى- فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ- (و فتناه فتونا: أي اختبره في مواطن كثيرة ليتحقق في نفسه صبره على ما ابتلاه الله به) فإن أكثر الكمالات المودعة في الإنسان لا تظهر عليه و لا تخرج إلى الفعل إلا بالابتلاء (فأول ما ابتلاه الله به قتله القبطي بما ألهمه الله و و فقه له في سره و إن لم يعلم بذلك، و لكن لم يجد في نفسه اكتراثا بقتله مع كونه ما توقف حتى يأتيه أمر ربه بذلك، لأن النبي معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتى ينبأ أي يخبر، و لهذا أراه الخضر قتل الغلام فأنكر عليه قتله، و لم يتذكر قتله القبطي، فقال له الخضر- ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي- ينبهه على مرتبته قبل أن ينبأ أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر و إن لم يشعر بذلك) فلذلك نسبه إلى الشيطان و- قالَ هذا من عَمَلِ الشَّيْطانِ- و استغفر ربه- قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي- لأنه لم يشعر بعد أنه نبى يعصمه الله عن الكبيرة، و لا يجرى على يده إلا ما هو خير كله (و أراه