شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣١٠
بالنفس الأمارة و الشجر بالقوة الفكرية، فمن أراد التطبيق فليرجع إلى تأويلات القرآن التي كتبناها فليس هذا موضع ذكره، و أما الإيمان الذي بادر إليه فرعون قبل موته إذ أدركه الغرق و كونه منتفعا به مقبولا، فهو مما أنكره بعضهم على الشيخ قدس سره و ليس بذلك لأن القياس أثبت صحته كما ذكر، فإن النص دل على ما أفصح عنه قبل أن يتغرغر حيث قال- آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا من الْمُسْلِمِينَ- و ليس بمناف لكتاب الله كما زعم هذا المنكر، فإن كونه طاهرا مطهرا من الخبث الاعتقادى كالشرك و دعوى الألوهية لا ينافي الإنكار في قوله- آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ من الْمُفْسِدِينَ- يعنى الآن مؤمن لأنه متوجه إلى كونه سببا للنجاة من الغرق، و لهذا جعل الموجب له العصيان السابق و الإفساد، و لا ينافي أيضا تعذيبه في الآخرة بسبب الظلم و ارتكاب الكبائر، فإن الذنوب التي يجبها الإسلام هي التي بين العبد و الرب، فأما المظالم التي تتعلق برقبته من جهة الخلق فلا، و لهذا أخبر عن وعيده في الكتاب على الإضلال بقوله- يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَ بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وَ أُتْبِعُوا في هذِهِ لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ- و بقوله- وَ أَتْبَعْناهُمْ في هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ من الْمَقْبُوحِينَ- فإن مثل هذه الوعيد و التعذيب ثابت للفساق من المؤمنين مع صحة إيمانهم، و أما نفع إيمانه و فائدته فهو في انتفاء خلوده في النار و خلاصه من العذاب في العاقبة، فإن المؤمن لا يخلد في النار لا أنه لا يدخل النار، و أما قوله- وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ- و أمثاله فهو مخصوص بالآل و هم كفار (و لما عصمه الله من فرعون أصبح فؤاد أم موسى فارغا من الهم الذي كان قد أصابها تم إن الله حرم عليه المراضع حتى أقبل على ثدي أمه فأرضعته ليكمل الله لها سرورها به كذلك علم الشرائع) أي مثل تحريم المراضع عليه إلا لبن أمه علم الشرائع، فإن لكل نبى شريعة مخصوصة دون شرائع سائر الأنبياء، فحرم عليه جميع شرائع الأنبياء إلا شريعته، فتحريم المراضع عليه صورة ذلك المعنى و آية أنه النبي الموعود (كما قال- لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً- أي طريقا- وَ مِنْهاجاً- أي من تلك الطريقة جاء فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الذي منه جاء فهو غذاؤه) هذا القول إشارة إلى الآية المذكورة و الأصل
__________________________________________________
موسى بن عمران بن قاهاث بن لاوى بن يعقوب أوحى الله إلى موسى إن توفى هارون فأت به إلى جبل كذا فانطلقا، فإذا هما بسرير فناما عليه و أخذ هارون الموت و رفع إلى السماء، و كان أكبر من موسى بثلاث سنين توفى و عمره مائة و ثنتان و عشرون سنة و شهر واحد، و اتهم بنو إسرائيل موسى بقتل أخيه هارون حين رجع إليهم وحده، فأنزل الله السرير و عليه هارون و قال إنى مت و لم يقتلني أخى، ثم توفى موسى بعده بأحد عشر شهرا و عمره مائة و عشرون سنة (إلى الأصل الذي منه جاء) أي كل واحد منكم و غذاؤكم الروحاني و الجسماني من طريقتكم الخاصة التي هي الأصل كما أن موسى و غذاءه جاء عن أصله و هي أمه بالى.