شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٠٦
فالأقل الوسائط أقرب، و لهذا سخر الأرواح الأجساد و العقول النفوس كتسخير العقل الأول من دونه من العقول و النفوس، و كاستجماع الفضائل و الكمالات في الاتصاف بها و التخلي عنها، فالأكثر بالكمالات و الأوفر بالفضائل أقرب إلى الله ممن يخلو عنها، فيسخر بقرب مقامه من الله من دونه في ذلك كتسخير الأنبياء و الأولياء أممهم و أتباعهم، و كل من له أحدية الجمعية الكمالية الإلهية أقرب إلى الله ممن غلب عليه أحكام الكثرة فيسخر له، و أما القرب و البعد في هذا الموضع فهو باعتبار حدوث تجلى الحق و طراوته بحسب الزمان و تمادى مدته و بعد عهده، فإن طراوة ظهور الحق في مجلى واحدة بتصرفاته و أفعاله و صفاته كما في الصغار قرب لهم بربهم و صفاء، لكونهم على فطرتهم الأصلية و العهد الأول و الاتصال الحقيقي و تقادم الزمان بالكبر و غلبة أحكام النشأة و الهيئات النفسانية كالمادة الحيوانية و الطبيعية بعدلهم من ربهم و تكرر و سقوط عن الفطرة فلذلك يسخر الصغير الكبير فيخدمه، و أما تنزل الكبير العارف الكامل إلى مرتبته للتربية مع كونه في غاية القرب بالنسبة إلى الطفل فذلك للرحمة و العناية الإلهية، و هو أمر آخر باعتبار آخر فلا ينافي ما ذكرناه لأنه رجع إلى الله بعد البعد بالمعنى المذكور حتى صار أقرب مما كان أولا.
(كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يبرز نفسه للمطر إذا نزل، و يكشف رأسه له حتى يصيب منه، و يقول «إنه حديث عهد بربه» فانظر إلى هذه المعرفة باللّه من هذا النبي، ما أجلها و ما أعلاها و أوضحها، فقد سخر المطر أفضل البشر لقربه من ربه فكان مثل الرسول الذي ينزل بالوحي عليه) أي فكان المطر مثل الملك الذي ينزل إليه بالوحي يعنى جبريل، لأنه كان يشاهد فيه صورة العلم الإلهي النازل إليه بواسطة الملك فيتلقاه، و مخصوصا رأسه الذي هو منه بمثابة الكتاب الأكبر الذي رتبته في التعين الأول و البرزخية الأولى و مظهر العلم الإلهي الأول، و يعرف قربه من الحق بالتجلى الجديد فلذلك سخره (فدعاه بالحال لذاته) أي فدعا المطر رسول الله صلى الله عليه و سلم بلسان الحال بذاته النازلة إليه من عند ربه في صورة العلم و الحياة كالملك فأجابه (فبرز إليه ليصيب منه ما أتاه به من ربه) من المعنى الذي به يحيى كل شيء (فلو لا ما حصلت له منه الفائدة الإلهية بما أصاب منه ما برز بنفسه إليه، فهذه رسالة ماء جعل الله تعالى منه كل شيء حى فافهم) فإذا كان المطر سخر أفضل البشر لقربه من ربه، فما ظنك بالأرواح الظاهرة الباقية على الفطرة النورية إذا اتصلت بروح موسى من عند ربها مقبلة إليه مع مباديها التي انبعث منها من الأسماء
__________________________________________________
فبروزه إليه تلقيه إلى ما ينزل عليه من ربه من العلوم و المعارف الإلهية، و كشف رأسه رفع التعينات المانعة لوصول الفيض الإلهي بالى.