شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٠٢
حقيقة طوعا و شهودا، كمن تحول إلى القبلة في أثناء الصلاة عند تحول الرسول من غير أمر ظاهر لشهود تحول الحق في تجليه (مع علمهم بأنهم ما عبدوا من تلك الصور أعيانا) متعلق بقوله: فيظهرون بصورة الإنكار: أي ينكرون ما عبد من الصور متابعة للرسول مع علمهم بأنهم ما عبدوها (و إنما عبدوا الله فيها بحكم سلطان التجلي الذي عرفوه منهم) أي من عباد الصور و إن لم يشعروا بذلك و جهلوه، و الباء في بحكم يتعلق بقوله مع علمهم و معناها السببية أي علموا ذلك بسبب حكم سلطان التجلي الذي عرفوه (و جهله المنكر الذي لا علم له بما تجلى الله و ستره العارف المكمل من نبى و رسول و وارث عنهم، فأمرهم بالانتزاح عن تلك الصورة لما انتزح عنها رسول الوقت اتباعا للرسول طمعا في محبة الله إياهم بقوله- إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله- إنما ستر العارف المكمل تعظيما و إجلالا و تنزيها له عما هو مبلغ علمهم من التعين و التشبه، و تكميلا لمن استعد من الأمم بالطريق له من التقييد إلى الإطلاق و من المحسوس إلى المعقول، فأمرهم بالانتزاح عن تلك الصور الجزئية ليهتدوا إلى المعنى المطلق الذي هو الكلى الطبيعي فيجمعوا بين الإطلاق و التقييد، و يتوسلوا بتوسط التخيل و التعقل إلى محض الشهود و التجلي إن شاء الله، و ذلك من الوفاء بصحة متابعتهم الرسول في العلم إذا قرن بالعمل المزكى للنفوس المصفى للقلوب، فيكمل الناس بالاقتداء بهم، و هم بصحة المتابعة ظاهرا و باطنا علما و عملا و خلقا و حالا ناسبوا رسولهم فاحتظوا من ولايته بقدر استعداداتهم فينالون من محبة الله إياهم ببركة متابعة حبيب الله و شفاعته و إمداده إياهم (فدعا إلى إله يصمد إليه) و هو الوجود الحق المطلق الذي يستند إليه كل وجود خاص (و يعلم من حيث الجملة و لا يشهد و لا تدركه الأبصار) أي يعلم من حيث الإطلاق و الإجمال و لا يشهد من حيث التقييد و التفصيل، إذ لا بد في الشهود من تجلى و مجلى و متجل، و كذا الأبصار (بل هو يدرك الأبصار للطفه و سريانه في أعيان الأشياء و لا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة أشباحها و صورها الظاهرة الضمير في أنها ضمير القصة، كقوله- فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ- و إضافة الأرواح إلى ضمير الأبصار لملابسته، و إنما لا تدركه الأبصار لأن إدراكها مخصوص ببعض الظواهر فلا تدرك الحقائق و كل ما تحت الاسم الباطن و إنما لا تدركه الأرواح لأن إدراكها مخصوص بالبواطن فلا تدرك ما تحت الاسم الظاهر من أسمائه و صفاته و لا يجمع بين الظاهر و الباطن و التقييد و الإطلاق و اللاتقيد و اللاإطلاق إلا التجلي الشهودى (فهو اللطيف) أي عن إدراك الأبصار و البصائر (الخبير) بالبواطن و الظواهر (و الخبرة ذوق و الذوق تجل و التجلي في الصور فلا بد منها
__________________________________________________
فلا بد منها، أي من الصورة لأن الصورة ليست إلا تعين تجلى الوجود الحق، فالوجود الحق من حيث الإطلاق هو المتجلى، و من حيث التقييد هو المجلى و الصورة، فإذا تجلى الحق في الصورة فلا بد أن يعبده جامى.