شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٣٠
بصورته التي هي الوجود من حيث هو وجود بقي الكل على العدم الصرف، و قوله (كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية) تشبيه لاستناد وجود العالم إلى صورة وجوده تعالى باستناد الأمور العينية من الصفات إلى الحقائق الكلية كما ذكر في الحياة و العلم، كما كان وجود العلم في زيد مثلا مستندا إلى العلم المطلق الكلى و لولاه لما وجد عالم و ما صح الحكم بالعالمية على أحد كذلك كل موجود معين عينى مستند إلى وجود الحق الذي هو وجهه و صورته و لولاه لما وجد موجود و ما صح الحكم على شيء بأنه موجود و لذلك قال (و من هذه الحقيقة) أي من جهة أن الحق في الموجودات سار بالصورة حتى وجد ما وجد (كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده) لأن صورته هو الموجود فبوجوده وجد كما ذكر في المقدمة قوله نظما
(فالكل مفتقر ما الكل مستغنى)
الفاء للسببية و ما نافية و رفع خبرها على اللغة التميمية، و عليها قرئ- ما هذا بشر- بالرفع أي إذا كان الحق ظاهرا بصورته في العالم و العالم مفتقر في وجوده إليه فكل واحد من العالم و الحق مفتقر إلى الآخر ليس كل منهما مستغنيا عن الآخر. أما افتقار العالم إلى الحق ففي وجوده، و أما افتقار الحق إلى العالم ففي ظهوره.
و لما كان التصريح بهذا الافتقار غير مأذون فيه و إن كان هو الحق قال:
(هذا هو الحق قد قلناه لا تكنى
فإن ذكرت غنيا لا افتقار به)
أي ذاته من حيث هي هي و من حيث اسمه الباطن لأنه تعالى بالذات غنى عن العالمين، و أما من حيث اسمه الظاهر و الخالق و الرزاق فليس يغنى (فقد علمت الذي بقولنا) و أنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى (نعنى) أو بقولنا الحق من حيث هو أي فقد علمت لحق من حيث اسمه الباطن أو من حيث الذات بدون الصفات لأنه من هذه الحيثية غنى لا افتقار به، و يجوز أن يكون المراد فإن ذكرت غنيا لا افتقار به فقد علمت أن المراد بقولنا فالكل مفتقر هو الحق مع جميع الصفات و الأسماء و الله أعلم.
قوله:
(فالكل بالكل مربوط و ليس له عنه انفصال خذوا ما قلته عنى)
__________________________________________________
(ما ظهر حكم في الموجودات العينية) فلزم منه أنه لو لا تلك الموجودات العينية ما ظهر حكم بالى.
(كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده) و من الحق إلى العالم في ظهور أحكامه فإذا كان الأمر كذلك فالكل مفتقر ما الكل مستغن (لا نكنى) أي لا نقول على سبيل الكناية لئلا يلتبس عليهم
(فقد علمت الذي بقولنا نعنى)
أي علمت مرادنا بقولنا، فالكل مفتقر من حيث الأسماء و الصفات لا من حيث الذات فلا ينافيه الفناء الذاتي، فكأنه قال المعارض: لا بل الكل مستغن لا افتقار به، فإنه إذا استغنى الحق عن العالم فقد استغنى العالم عن الحق من وجهة استغناء الحق عنه، فإن المعلوم مستغن عن غير علته و العلة العالم مجموع الذات و الصفات لا الذات وحدها، فثبت أن الكل مستغن أي كل واحد مستغن عن الآخر لا يرتبط أحدهما بالآخر، أجاب عن ذلك (فالكل) أي مجموع العالم (بالكل) أي الحق من حيث الأسماء و الصفات و بالعكس (مربوط فليس له) أي العالم (عنه) عن الحق من حيث الأسماء و بالعكس (انفصال أعنى صورته الباطنة) و إنما فسره، و ليعلم أن المراد بآدم الروح الكلى المحمدي لا آدم الذي خلق من طين اه.