شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٩٩
(ألا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله، كيف تمم في حق من عبد هواه و اتخذه إلها، فقال- وَ أَضَلَّهُ الله عَلى عِلْمٍ- و الضلالة الحيرة، و ذلك أنه لما رأى هذا العابد ما عبد إلا هواه بانقياده لطاعته فيما يأمره به من عبادة من عبده من الأشخاص، حتى أن عبادته للَّه تعالى كانت عن هوى أيضا، لأنه لو لم يقع له في ذلك الجناب المقدس هوى و هو الإرادة بمحبة ما عبد الله و لا آثره على غيره) أي كيف تمم العلم في حق من عبد هواه حيث نكره تنكير تعظيم أي على علم كامل لا يبلغ كنهه، و ذلك أن أصل الهوى هو الحب اللازم لشهوده تعالى ذاته بذاته، فإنه تعالى أقوى الأشياء إدراكا و أتم الأشياء كمالا و لا يدرك ٧ واقف للمدرك من ذاته بذاته، فذاته أحب الأشياء إليه بل الحب عين الحب، و حقيقته ليس إلا حبه لذاته، و هو العشق الحقيقي و ما عداه رشحة من ذلك البحر و لمعة من ذلك النور، فلا ميل في شيء إلى شيء إلا و هو جزئى من جزئيات ذلك الحب، فلا محب إلا و هو يحب نفسه في محبوبه أي محبوب كان لأن المحبة لازمة للوحدة الحقيقية، فبسريان الوحدة في الوجود تسرى المحبة فيه لكنها تختلف بحسب كثرة التعينات المتوسطة بينها و بين الأول و قلتها، فكلما كانت الوسائط أكثر كان أحكام الوجوب فيها أخفى و أحكام الإمكان أظهر و بالعكس، و ينبنى على ذلك المذمة و المحمدة بحسب تنوع أنواعها، و تختلف أسماؤها في الانتهاء كما بيناها في رسالة المحبة، فالحاصل أن كل هوى كان أقرب إلى الحب الكلى، و الأقرب بقلة الوسائط و التعينات كان أحمد و أشرف و أقوى في نفسه و أظهر، و صاحبه أعلى مقاما و أرفع رتبة، و أكثر تجردا و أشرف ذاتا و أقرب إلى الحق تعالى، و كلما كان الحب أبعد من الحب الكلى المطلق بكثرة الوسائط و التعينات كان أخس و أذم و أضعف في نفسه و أخفى، و صاحبه أدنى رتبة، و أكثر تقيدا و احتجابا و أخس وجودا و أبعد من الله تعالى، و الحقيقة من حيث هي هي واحدة، فمن علم حقيقة الهوى كان على علم عظيم، و قد حيره الله حيث وجده في الحقيقة محمودا غاية الحمد، و مع التغشى بغواشى التعينات مذموما غاية الذم، فتحير بين كونه حقا و بين كونه باطلا، و الحق مطلع على أنه لا يعبد في الجهة العليا و السفلى بهواه إلا إياه إذ ليس في الوجود شيء إلا و هو عين الحق، ألا ترى إلى قوله- وَ هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ- و قوله- وَ هُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ- و قوله عليه الصلاة و السلام «لو دلى أحدكم بحبل لهبط على الله» فكل ما عبده عابد في أحد الجهتين لا يعبده إلا بهواه إذ هو الذي يأمره بعبادة ما يعبده فلا يطيع في الحقيقة إلا هواه حتى إن الحق المطلق لم يعبد إلا بالهوى، إلا أنه يسمى باسم
__________________________________________________
(و اتخذه إلها) أي سماه إلها فقط دون غيره من مجالى الحق، لظهور الحق له فيه دون غيره فقال في حقه- وَ أَضَلَّهُ الله- بالى.
و ذلك أي التكميل و التعميم لما رأى الحق هذا العابد ما عبد إلا هواه بالى.