شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٩٨
فكلما عاث فيهم ذئب كالسامرى قاتله و قابله و رماه بالإمساس و تحريق العجل، و شدد على خليفته مخافة المخالفة، فكما سخرهم في مراد الله بما عنده من الله من النبوة و السلطنة، سخروه بالحال على أن يسعى عند الله في مصالحهم الدينية و الدنيوية، عرفوا ذلك أو لم يعرفوا و ما يعرفه إلا العارفون (فكان عدم قوة ادراع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه حكمة من الله ظاهرة في الوجود ليعبد في كل صورة، و إن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية، و لهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا و عبد، إما عبادة تأله و إما عبادة تسخير، فلا بد ذلك لمن عقل) يعنى أن الحق المعبود المطلق الذي أمر أن لا يعبد إلا إياه لما ظهر بنور الوجود في كل نوع من الأنواع بل في كل شخص، لزم أن يعبد في تلك الصورة إما عبادة عبد لإلهه، و إما عبادة تسخير، كما عبدت عبدة الأصنام الحجر و الشجر و الشمس و القمر، لكون الإلهية ذاتية للوجود الحق، و عبادة التسخير ليس لها اسم العبادة عرفا لأنها مخصوصة بمن تأله لكن العبودية متحققة في القسمين، فإنك عبد لمن ظهر عليك سلطانه (و ما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، و الظهور بالدرجة في قلبه، و لذلك يسمى الحق لنا برفيع الدرجات و لم يقل رفيع الدرجة فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى ألا نعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلى إلهيا عبد فيها، و أعظم مجلى عبد فيه و أعلاه الهوى، كما قال- أَ فَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ- فهو أعظم معبود فإنه لا يعبد شيء إلا به، و لا يعبد هو إلا بذاته، و فيه أقول:
و حق الهوى إن الهوى سبب الهوى و لو لا الهوى في القلب ما عبد الهوى)
يعنى أن كلمتي العبوديتين: عبودية التأله و عبودية التسخير لا تكون من العابد لأى معبود كان إلا لهواه، فما عبد إلا الهوى فهو الصنم و الجبت و الطاغوت الحقيقي لمن يرى غير الحق في الوجود. و أما عند العارف فهو أعظم مجلى عبد فيه، و هو باطن أبدا لا يظهر بالعين إلا في الأصنام، و كليات مراتبه بعدد الأنواع المعبودة كما ذكر بعضها في الفص النوحى.
و أما البيت فمعناه: أنه أقسم بحق العشق الأحدى الذي هو حب الحق ذاته أنه سبب الهوى الجزئى الظاهري في كل متعين بتنزلاته في صور التعينات، و لو لا الهوى الحب الباطن المعين في القلب ما عبد الهوى الظاهر في النفس لأنه عينه تنزل عن التعين القلبي إلى التعين النفسي مع أحدية عينه في الكل.
__________________________________________________
كما سلط موسى على العجل بالحرق و النسف، و لم يقدر هارون بالفعل كذلك حكمة من الله خبر كان ظاهرة في الوجود ليعبد الحق في كل صورة نوعية من الأنواع، و إنما قيدنا ذلك إذ لا يعبد الحق في كل صورة شخصية بل يعبد في صورة شخص من كل نوع بالى.