شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٩٦
الخلق فلا يستحق عبادة المخلوق إياه، و لا علم له بما يسرون و ما يعلنون، و بعلمه عليه السلام بجهلهم أقبل و التفت بالعتب على هارون، فإنه كان في تربيته قولا و فعلا ليعلم من حيث ولايته و نبوته بما هو الأمر عليه علما بذلك في تلك الحالة إذ لم يعلما إلا بعد وقوع ما وقع، فلما نبه هارون بالحقيقة المذكورة و تحقق هو بما وقع منه ظاهرا و باطنا أعرض عن قومه بعد ما أراهم و أعلمهم بخطئهم إلى السامري فلم يعاتبهم ليتعظوا، و ذلك أبلغ في الغرض (و لذلك لما قال هارون ما قال رجع إلى السامري فقال له- فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ- يعنى فما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص، و صنعك هذا الشبح من حلى القوم حتى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم، فإن عيسى يقول لبني إسرائيل: يا بنى إسرائيل قلب كل إنسان حيث ماله فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء، و ما سمى المال مالا إلا لكونه بالذات يميل القلوب بالعبادة، فهو المقصود الأعظم المعظم في القلوب لما فيها من الافتقار إليه، و ليس للصور بقاء فلا بد من ذهاب صورة العجل لو لم يستعجل موسى بحرقه فغلبت عليه الغيرة فحرقه ثم نسف رماد تلك الصورة في اليم نسفا و قال له- انْظُرْ إِلى إِلهِكَ- فسماه إلها بطريق التنبيه للتعليم لما علم أنه بعض المجالى الإلهية- لَنُحَرِّقَنَّهُ- فإن حيوانية الإنسان لها التصرف في حيوانية الحيوان لكون الله سخرها للإنسان و لا سيما و أصله ليس من حيوان، فكان أعظم في التسخير، لأن غير الحيوان ما له إرادة بل هو بحكم من يتصرف فيه من غير إباءة) اعلم أن الأنبياء كلهم صور الحقائق الإلهية النورانية الروحانية، و الفراعنة صور الحقائق النفسانية الظلمانية، و لهذا كانت العداوة و المخالفة بين الرسل و الفراعنة لازمة، كما بين العقل و الهوى و بين الروح و الشيطان، لكنهم مختلفون في التعينات الإنسانية لاختلاف الأسماء الإلهية فيهم، و ذلك لاختلاف القوابل بحسب الأمزجة و الاعتدالات الإنسانية، و لهذا اختلفت صورهم في الأشكال و الهيئات و التعينات الشخصية، و نفوسهم في الأخلاق و العوائد و الأذواق، و أرواحهم في العلوم و المشاهدات و المشارب و التجليات، مع اتحادهم في الوجهة و المعارف الحقانية و التوحيد و أصول الدين القيم، فإنهم في ذلك كنفس واحدة على آل واحد لرب واحد هو رب الأرباب، فالحق الواحد يتجلى لكل منهم على صورة الاسم الغالب عليهم، و لهذا كان الغالب على موسى أحكام القهر و شهود التجلي النوري له في صورة النار، و كانت علومه فرقانية، و الغالب على نبينا صلى الله عليه و سلم أحكام المحبة و شهود التجلي في صورة
__________________________________________________
فعلم هارون ما أشار إليه موسى من كلامه إلى السامري، و علم أن غضبه و أخذ لحيته لا لأجل عبادة العجل بل لأجل تعليمه بأن الحق لا يعبد في صورة العجل، و إنما تصرف موسى في صورة العجل بالحرق و النسف، فإن حيوانية الإنسان إلخ بالى.