شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٩٤
كما هو عليه، و لذلك علل الإجازة في دعوة أحدهما على السواء بقوله- فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى- أي الدعوة إنما هي للهوية الأحدية العينية الجمعية بين صور الأسماء الحسنى، و المسمى ليس إلا واحدا فلا شركة أصلا و الألفاظ ظاهرة.
(٢٤) فص حكمة إمامية في كلمة هارونية
إنما خصت الكلمة الهارونية بالحكمة الإمامية، لأن هارون عليه السلام كان إمام أئمة الأحبار، و قد استخلفه موسى على قومه بقوله- اخْلُفْنِي في قَوْمِي وَ أَصْلِحْ- و الإمام لقب من ألقاب الخلافة، و قد صرح هارون بذلك في قوله- فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي- و قد بقيت الإمامة في نسله إلى الآن، و هي الخلافة المقيدة أي الإمامة بالوساطة كما كانت لخلفاء رسول الله صلى الله عليه و سلم، و له الإمامة المطلقة لكونه نبيا مبعوثا بالسيف كإمامة المهدى عليه السلام، و المراد بالمطلقة التي لا واسطة بين صاحبها و بين الله و له رتبة التقدم و التحكم في الوجود، و لو لم يكن كذلك لما صرح بوجوب اتباعه و طاعته في قوله- فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي- و هي التي قال فيها لخليله- إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً- فله الإمامة المطلقة و المقيدة.
(اعلم أن وجود هارون عليه السلام كان من حضرة الرحموت بقوله- وَ وَهَبْنا لَهُ من رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا- فكانت نبوته من حضرة الرحموت، فإنه أكبر من موسى سنا و كان موسى أكبر منه نبوة. و لما كانت نبوة هارون من حضرة الرحمة لذلك قال لأخيه موسى عليه السلام- يَا بْنَ أُمَّ- فناداه بأمه لا بأبيه إذ كانت الرحمة للأم دون الأب أوفر في الحكم، و لو لا تلك الرحمة ما صبرت أي الأم على مباشرة التربية، ثم قال- لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي- و فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ- فهذا كله نفس من أنفاس الرحمة، و سبب ذلك عدم التثبت في النظر فيما كان في يده من الألواح التي ألقاها من يديه، فلو نظر فيها نظر تثبت لوجد فيها الهدى و الرحمة، فالهدى) أي فوجد الهدى (بيان ما وقع من الأمر الذي أغضبه مما هو هارون بريء منه) و كان الله قد أعلمه قبل ذلك بالأمر بقوله- فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ من بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ- (و الرحمة بأخيه) و وجد الرحمة بأخيه (فكان لا يأخذ بلحيته بما رأى من قومه مع كبره و أنه أسن منه فكان ذلك من هارون شفقة على موسى، لأن نبوة هارون من رحمة الله فلا يصدر منه إلا مثل هذا، ثم قال هارون لموسى عليه السلام- إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ- فتجعلني سببا في تفريقهم، فإن عبادة
__________________________________________________
١- أي وجد موسى في الألواح ما أضل قومه إلا السامري، و هارون بريء منه و الرحمة بأخيه بالى.