شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٩٣
و أما قوله- إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ- لمن هي له غذاء و ليس إلا الذرة المذكورة في قوله- فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ من يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ- فهي أصغر متغذ) أي لو كان أصغر منها لذكره الله في هذه الآية لكونه تعالى في بيان أنهى درجة المبالغة، و أيضا لأن في الحبة من الخردل أكبر و أكثر من الذرة، فالمبالغة إنما تكون في منفذ أصغر من غذائه (و الحبة من الخردل أصغر غذاء و لو كان ثم أصغر لجاء به كما جاء بقوله- إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً- ثم لما علم أنه ثم ما هو أصغر من البعوضة قال: فما فوقها يعنى في الصغر، و هذا قول الله و التي في الزلزلة قول الله أيضا فاعلم ذلك، فما فوق البعوضة في الصغر الذرة، و ثم لطيفة أخرى و ذلك أن الذرة مع صغرها أخف في الوزن أيضا لكونها حيوانا إذ الحي أخف من الميت، فالمعنى أن العمل إذا كان مثقال ذرة في الصغر و الخفة فلا بد من رؤية الجزاء، فنحن نعلم أن الله تعالى ما اقتصر على وزن الذرة و ثم ما هو أصغر منها فإنه جاء بذلك على المبالغة و الله أعلم، و أما تصغيره اسم ابنه فتصغير رحمة، فلهذا وصاة بما فيه سعادته إذا عمل بذلك، و أما حكمة وصيته في نهيه إياه أن- لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ- و المظلوم المقام) أي المحل الذي أثبت فيه الانقسام (حيث نعته بالانقسام و هو عين واحدة فإنه لا يشرك معه إلا عينه و هذا غاية الجهل، و سبب ذلك أن الشخص الذي لا معرفة له بالأمر على ما هو عليه، و لا بحقيقة الشيء إذا اختلفت عليه الصور في العين الواحدة، و هو لا يعرف أن ذلك الاختلاف في عين واحدة جعل الصورة مشاركة للأخرى في ذلك المقام، فجعل لكل صورة جزءا من ذلك المقام و معلوم في الشريك أن الأمر الذي يخصه مما وقعت فيه المشاركة ليس عين الآخر الذي شاركه إذ هو الآخر، فإذا ما ثم شريك على الحقيقة، فإن كل واحد على حظه مما قيل فيه إن بينهما المشاركة فيه، و سبب ذلك الشركة المشاعة و إن كانت مشاعة فإن التصريف من أحدهما يزيل الإشاعة- قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ- هذا روح المسألة) إنما هو روح المسألة لأن الشركة بين الصور الإلهية متوهمة عند أهل الحجاب، فإن الصور الإلهية و الأسماء واحدة بالذات، و الدعوة إنما هي للذات في الصورة الرحمانية أو الصورة الإلهية أو فيهما معا أو في أي صورة شاء من الصور الأسمائية، فالداعى للرحمن مختص من وجه فلا شركة و كذلك المختص بدعوة الله الذات الأحدية فلا شركة في مدعوه لأحديته عنده في جميع الصور
__________________________________________________
مع علمه بالعلم المطلق بما هو عليه الأمر مستفيدا علما بقوله- حَتَّى نَعْلَمَ- و هو علم الذوق لا العلم المطلق، فتميز الاسم الخبير من الاسم العليم بالى.
و جواب أما قوله فهي الذرة التي هي النملة الصغيرة أصغر متغذ من الحيوان، و الحبة من الخردل أصغر غذاء من الأغذية، و لو كان ثمة في العالم أصغر غذاء و متغذيا من خردل و ذرة لجاء به كما جاء بقوله- إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ- الآية بالى.