شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٩٢
و هو العلم الثابت للحق من حيث حقيقة وجود العباد (و هذا هو علم الأذواق، فجعل الحق نفسه مع علمه بما هو الأمر عليه مستفيدا علما، و لا يقدر على إنكار ما نص الحق عليه في حق نفسه، ففرق تعالى ما بين علم الذوق و العلم المطلق، فعلم الذوق مقيد بالقوى، و قد قال عن نفسه إنه عين قوى عبده في قوله «كنت سمعه» و هو قوة من قوى العبد، و بصره و هو قوة من قوى العبد، و لسانه و هو عضو من أعضاء العبد، و رجاء و يده، فما اقتصر في التعريف على القوى فحسب حتى ذكر الأعضاء، و ليس العبد بغير لهذه الأعضاء و القوى، فعين مسمى العبد هو الحق لا عين العبد و هو السيد الرءوف: أي هوية العبد و حقيقته من غير نسبة العبدانية هو الحق من غير نسبة الإلهية و السيدية، إلا أن عين العبد من حيث أنه عبد أعنى مع نسبة العبودية هو السيد من حيث أنه سيد مع نسبة السيادة (فإن النسب متميزة لذاتها و ليس المنسوب إليه متميزا) أي من حيث الحقيقة (فإنه ليس ثم سوى عينه في جميع النسب فهو عين واحدة ذات نسب و إضافات و صفات، فمن تمام حكمة لقمان في تعليم ابنه ما جاء به في هذه الآية من هذين الاسمين الإلهيين لطيفا و خبيرا سمى بهما الله، فلو جعل ذلك في الكون و هو الوجود فقال كان لكان أتم في الحكمة و أبلغ في الموعظة، فحكى الله تعالى قول لقمان على المعنى كما قال لم يزد عليه شيئا) يعنى أن قوله- إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ- إخبار بأنه تعالى موصوف باللطف و الخبرة، و ذلك يدل على أنه تعالى كذلك في الواقع، و لا يدل على أن وجوده يقتضي ذلك، فلو أتى بالكلمة الوجودية الدالة على اتصافه بالصفتين المذكورتين في الأزل فقال و كان الله لطيفا خبيرا لكان أتم في الحكمة و أبلغ لدلالته على أن وجوده تعالى كان في الأزل، كذلك اقتضى وجود تلك النسبة فهو كذلك لطيف خبير في الحال الواقع.
و أما العبارة المذكورة فتحتمل أن تكون كذلك في الأزل، و أن لا يكون لكون الله تعالى حكى قول لقمان من غير تغيير، و إنما قال لقمان بهذه الصيغة مع كلمة التحقيق و التأكيد ليتمكن و يتحقق في نفس ابنه أنه في الواقع كذلك جزما (و إن كان قوله- إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ- من قول الله، فلما علم الله تعالى من لقمان أنه لو نطق لتمم متمما بهذا أي بما معناه في لغته معنى هذا في اللغة العربية و ذلك من حيث التحقيق، و العذر ما ذكرناه من أن لقمان لفرط شفقته و تعطفه و رأفته بابنه قام في مقام التعليم و الإرشاد و النصيحة بهذه القرائن مخبرا عن الواقع إخبارا مؤكدا جازما، ليتحقق و يتمكن في نفس ابنه مقام الإخبار عن خبرة وجود، و لو قال كان الله لطيفا خبيرا، و هذا و إن كان كذلك فالمبالغة و الإتمام على الوجه الأول أنسب في الحكمة فأخبر الله تعالى عنه صورة ما جرى في الحال الواقع من غير زيادة و لا نقصان.
__________________________________________________
(و هذا) أي العلم الاختياري هو علم الأذواق، أي مختص بالذوق الذي لا يحصل إلا بالقوى، فجعل الحق نفسه