شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٩٠
و علمت بقرينة الحال فكونه سكت عن المؤتى إليه بتلك الحبة، فما ذكره و لا قال لابنه يأت بها الله إليك و لا إلى غيرك) و في نسخة أو إلى غيرك، و لا في النسخة الأولى تأكيد لقوله، و لا قال و في و لا قال تأكيد للنفي «في» فما ذكره، و معناه و لا قال إلى غيرك فيكون معناهما واحدا.
(فأرسل الإتيان عاما، و جعل المؤتى به في السموات إن كان أو في الأرض تنبيها، لينظر الناظر في قوله تعالى- وَ هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ- فنبه لقمان بما تكلم به و بما سكت عنه أن الحق عين كل معلوم، لأن المعلوم أعم من الشيء فهو أنكر النكرات) أي تنبيها على أن في السموات و الأرض هو الحق، فالمعلوم في السموات و الأرض ليس غيره لأن المأتى به هو المعلوم في السموات و في الأرض، و المعلوم في السموات هو ما في الجهة العلوية من الحقائق العينية و الاسمية و الروحانية على اختلاف طبقاتها، و المعلوم في الأرض هو ما في الجهة السفلية من الحقائق الكونية و الآثار الجسمية على اختلاف مراتبها كالعناصر و المواليد و أحوالها و هيئاتها، فإنها تحت تصرف العوالم العلوية الإلهية و تأثيراتها، و إنما جعل المعلوم أعم من الشيء لأن الشيء عنده هو الذي له وجود عينى، و المعلوم يتناول ما له وجود عينى و ما ليس له وجود عينى، فإن علمه محيط بالكل، فالمعلوم أعم من الشيء، و أما عند من جعل الشيء أعم من المتعين الخارجي و العقلي فالمعلوم و الشيء يتساويان، لأن الثابت في العلم شيء كالأعيان الثابتة، و هو أرجح لقوله- إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ- فإنه تعالى أطلق قبل الكون على العين اسم الشيء و خاطبه بقوله «كُنْ» فيترتب الأمر كونه و كيف كان فالمقصود حاصل، لأن المراد التنبيه على العالم الآتي بالمعلوم أي الله عين المعلوم سواء كان أعم من الشيء أو مساويا، فإن الغرض إحاطة علمه بالكل، و إن العلم و العالم و المعلوم حقيقة واحدة لا فرق بينها إلا باعتبار.
(ثم تمم الحكمة و استوفاها لتكون النشأة كاملة فيها فقال- إِنَّ الله لَطِيفٌ- فمن لطافته و لطفه أنه في الشيء المسمى بكذا المحدود بكذا عين ذلك الشيء حتى لا يقال فيه إلا ما يدل عليه اسمه بالتواطؤ و الاصطلاح، فيقال: هذا سماء و أرض و صخرة و شجر و حيوان و ملك و رزق و طعام، و العين واحدة من كل شيء و فيه كما يقول الأشاعرة: إن العالم كله متماثل بالجوهر فهو جوهر واحد، فهو عين قولنا العين واحدة، ثم قالت: و يختلف بالأعراض، و هو قولنا: و يختلف و يتكثر بالصور و النسب حتى يتميز، فيقال: هذا
__________________________________________________
(إلا ما يدل عليه اسمه) و ما عبارة عما يدل عليه اسم ذلك الشيء من المفهوم، فإن قولنا هذا سماء لا يحصل على المبتدإ إلا مدلول السماء بالتواطؤ أي بالتوافق و الاصطلاح بالى.
(متماثلة بالجوهر) كتماثل أفراد الإنسان بالإنسان فهو جوهر واحد في كل متماثل كما أن الإنسان واحد في كل متماثل من أفراده بالى.