شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٨٦
عن حكم عقله إلى شهوته و يكون حيوانا مطلقا) أي من غير تصرف عقلى (حتى يكشف ما يكشفه كل دابة ما عدا الثقلين، فحينئذ يعلم أنه قد تحقق بحيوانيته، و علامته علامتان، الواحدة هذا الكشف، فيرى من يعذب في قبره و من ينعم، و يرى الميت حيا، و الصامت متكلما، و القاعد ماشيا. و العلامة الثانية الحرس، بحيث أنه لو أراد أن ينطق بما رآه لم يقدر، فحينئذ يتحقق بحيوانيته، و كان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف، غير أنه لم يحفظ عليه الحرس فلم يتحقق بحيوانيته، و لما أقامنى الله تعالى في هذا المقام تحققت بحيوانيتى تحققا كليا، فكنت أرى و أريد أن أنطق بما أشاهده فلا أستطيع، فكنت لا أفرق بينى و بين الخرس الذين لا يتكلمون) لما ذكر قبيل ذكره من كشف النشأتين مثال ظهور العين الواحدة في صور كثيرة هي في تلك الصور عينها غير متقيد و لا منحصر في شيء منها، فيصدق على تلك العين الواحدة في صورة من تلك الصور الكثيرة أنها عينها في صورة أخرى أو صور أخر من وجه، و يصدق أيضا أنها غير الأخرى من حيث تغاير الصورتين و التعين من وجه، علم من ذلك ظهور إلياس في النشأتين، و أن إلياس المرسل إلى بعلبك هو عين إدريس الذي كان يوحى إليه قبل نوح من حيث العين و الحقيقة، و يصدق أنه غيره من حيث الصورة و التعين فلا تلتبس عليك التعينات، فلو قلنا: إن العين أخذت الصورة الإدريسية و انتقلت إلى الصورة الإلياسية لكان عين القول بالتناسخ، و لكنا نقول: إن عين إدريس و هويته مع كونها قائمة في إنية إدريس و صورته في السماء الرابعة هي الظاهرة في الصورة الإلياسية و المتعينة في إنية إلياس، فيكونان من حيث العين واحدا و من حيث التعين الصوري و الظهور الشخصي اثنين كحقيقة جبريل و عزرائيل و ميكائيل، فإنهم يظهرون في الآن الواحد في مائة ألف مكان بصور شتى، كلها قائمة موجودة هؤلاء الأرواح الكلية الكاملة فكذلك أرواح الكمل و أنفسهم، و كالحق المتجلى في صور تجليات غير متناهية، و تعينات أسماء إلهية لا تحصى كثرة مع أحدية ذاته و عينه المتنزهة عن أن تتكثر بالصور و التعينات، ثم إنه قدس سره أحال التحقق بهذا المعنى و الاطلاع على الحكمة الإلياسية عن أن يتحقق السالك بحيوانيته و يتنزل عن رتبة العقل و حكمه حتى يبقى حيوانا محضا، ليعلم سر نزول إدريس بعد أن تحقق بروحانيته حتى بقي عقلا مجردا بلا شهوة إلى صورة إلياس مبعوثا إلى أهل بعلبك. و فائدة التحقق بالمنزلتين منزلة شهود الحق و التحقق به في الملإ الأعلى ذوقا و منزلة، و التحقق بشهود الحق أيضا في العالم الأسفل و التحقق به ليكشف ما تكشفه كل دابة أي يطلع على عذاب القبر و التنعم فيه، فإنه يطلع على ذلك الحيوانات
__________________________________________________
(تحقق بحيوانيته) فيه نزل منزلة إدريس عليه السلام حيث نزل عن سماء عقله إلى أرض نفسه، فهذا النزول لا يكون إلا بعد العروج إلى سماء الروح بالرياضات و المجاهدات كما كان رفع إدريس إلى السماء كذلك بالى.