شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٧٦
فيدعوه بها في الرحمة من حيث دلالتها على الذات المسماة بذلك الاسم لا غير) أي الله مطلقا (لا بما مدلول ذلك الاسم الذي ينفصل به عن غيره و يتميز فإنه لا يتميز عن غيره و هو عنده دليل الذات) أي ذات الله من حيث هي لا باعتبار المعنى الخاص المميز (و إنما يتميز به بنفسه عن غيره لذاته) أي لخصوصية ذات الاسم الخاص (إذ المصطلح عليه بأى لفظ كان حقيقة متميزة بذاتها عن غيرها، و إن كان الكل قد سيق ليدل على عين واحدة مسماة، فلا خلاف في أنه لكل اسم حكم ليس للآخر، فذلك أيضا ينبغي أن يعتبر كما يعتبر دلالتها على الذات المسماة، و لهذا قال أبو القاسم بن قسى في الأسماء الإلهية: إن كل اسم على انفراده مسمى بجميع الأسماء الإلهية كلها، إذا قدمته في الذكر نعته بجميع الأسماء، و ذلك لدلالتها على عين واحدة و إن تكثرت الأسماء عليها و اختلفت حقائقها
أي حقائق تلك الأسماء، ثم إن الرحمة تنال عن طريقين: طريق الوجوب، و هو قوله- فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ- و ما قيدهم به من الصفات العلمية و العملية، و الطريق الآخر الذي تنال به الرحمة طريق الامتنان الإلهي الذي لا يقترن به عمل، و هو قوله- وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ- و منه قيل- لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ- و منها قوله «اعمل ما شئت فقد غفرت لك» فاعلم ذلك) رحمة الامتنان ذاتية تنال الأشياء كلها لأنها ليست في مقابلة عمل، فكل ما تناولته الشيئية تناله هذه الرحمة، و بهذه الرحمة استظهار الأبالسة و الفراعنة و الكفرة و السحرة، و الله المنان و عليه التكلان.
(٢٢) فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية
إنما خصت الكلمة الإلياسية بالحكمة الإيناسية، لأنه عليه السلام قد غلب عليه الروحانية و القوة الملكوتية حتى ناسب بها الملائكة و أنس بهم، و قد آنسه الله بغلبة النورية بالطائفتين الملائكة و الإنس، و خالط الفريقين و كان له منهما رفقاء يأنس بهم، و بلغ من كمال الروحانية مبلغا لا يؤثر فيه الموت كالخضر و عيسى عليه السلام.
(إلياس: هو إدريس عليه السلام، كان نبيا قبل نوح و رفعه الله مكانا عليا فهو
__________________________________________________
(على الذات المسماة) فاختصت الرحمة بحكم ذلك الاسم، فما تعم الرحمة بالنسبة إلى ذلك الاسم، فإذا قال المريض: يا شافى ارحمني، فلا يريد إلا صحة البدن بالخلاص عن المرض، فقد اعتبر حكم الشافي في الرحمة و هي هذه الصحة المخصوصة و كذا في غيره، فظهر منه أن الرحمة تتعدد بتعدد الأسماء و تتبع حكم كل اسم دعيت به اه بالى.
و اعلم أن إلياس لما آنس الملائكة بحسب مزاجه الروحاني، و آنس الإنسان بحسب مزاجه العنصري، أورد الحكمة الإيناسية في كلمته و بين التنزيه و التشبيه، فالتنزيه من جهة ملكيته و التشبيه من جهة بشريته فسمى بإلياس بعد البعثة إلى بعلبك. قال المفسرون: و هو إلياس بن ياسين سبط هارون أخى موسى بعث بعده و قيل، هو إدريس لأنه قرئ إدريس و إدراس مكان إلياس، و كشف الشيخ وافق الأخير اه بالى.