شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٧٣
هاهنا أحد طرفيها و هو الحق، و لا مؤثر في وجود الأشياء إلا هي، فالآثار كلها إن كانت من الأسماء الإلهية فهي من النسب العدمية، و إن كانت من الذات المعينة بها فمن الوجود باعتبار هذه النسب العدمية الأعيان و حكم تعيناتها و اقتضاء تلك التعينان المخصصة، و إن كانت من الأعيان الثابتة في الوجود الحق فالأثر للمعدوم و العين و كذلك في الأكوان، فإن كل أثر يظهر من موجود فإنه لا ينسب إلى وجوده من حيث هو وجود بل إلى عينه العدمية أو إلى وجوده المتعين بتلك النسب العدمية، و هذا علم غريب في غاية الغرابة و مسألة نادرة في غاية الندرة، إذ لا يعقل أن العدم يؤثر في الوجود أي المعدوم من حيث كونه معدوما يؤثر في الشيء المعلوم فيوجده، و لهذا قال: لا يعلم تحقيقها إلا أصحاب الأوهام: أي الذين يؤثرون الأشياء بالوهم فيوجدونها، فإنهم يعلمون ذلك علم ذوق لا من يؤثر الوهم فيه، أي من لا يؤثر و همه الموجود فيه في الأشياء، أو من يتأثر من الوهم فهو بعيد من ذوق هذه المسألة، و تحقيق ذلك أن الوجود المضاف إلى الأشياء أمر خيالى لا حقيقة له في عينه كما مر في مسألة الظل، و ليس الوجود الحقيقي إلا حقيقة الحق، فالوجود المعين الذي نسميه الوجود الإضافي و هو المقيد بتعين ما هو ذلك الوجود القائم بنفسه مع أمر عدمى يمنعه عن كماله الإطلاقى و يحصره في القيد الخلقي فنسميه وجودا خاصا و ليس إلا ظهور الوجود الحق في صورة أمر عدمى إمكانى، فالظهور هو نفس تقيده الأمر العدمي الإمكانى الذي يحكم عليه بالحدوث و لا حدوث في الحقيقة إلا التعين الذي ينقص الوجود عن كماله و الحقيقة بحالها على قدمها الأزلى فهذا سر تأثير المعدوم و لا تأثير في الحقيقة إلا شوب العدم و الحدوث بالوجود الحق و العدم في الظل الخيالى:
(فرحمة الله في الأكوان سارية و في الذوات و في الأعيان جارية
مكانة الرحمة المثلى إذا علمت من الشهود مع الأفكار عالية)
المكانة المرتبة الرفيعة و المنزلة العلية، و المثلى: تأنيث الأمثل بمعنى الأفضل، قال تعالى- وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى- أي منزلة الرحمة التي هي أفضل أنواعها، إذا علمت من طريق الشهود كانت تعلو الأفكار، أي أجلّ و أعلى من أن تعلم بطريق الفكر.
(فكل من ذكرته الرحمة فقد سعد و ما ثم إلا ما ذكرته الرحمة، و ذكر الرحمة الأشياء عين إيجادها إياها فكل موجود مرحوم، و لا تحجب يا وليى عن إدراك ما قلناه بما تراه من
__________________________________________________
لما قسم الأشياء إلى الموجود و المعدوم و عبر عنهما بالأكوان و الذوات و أدرج شمول الرحمة على كلها في البيت الأول، و قسم العلم إلى الشهودى و الفكرى و أدرج و سعة الرحمة العلمي فيهما في البيت الثاني، فوسعت الرحمة كل شيء وجودا و حكما و علما و هو المطلوب اه بالى.
و لهذا أي و لكون الرحمة ناظرة في عين ثبوت كل موجود، رأت الحق المخلوق إلخ فرحمته بنفسها، أي رحمت الرحمة الحق المخلوق بنفس الرحمة بالإيجاد، أي بإيجاد نفسها فأوجدت الرحمة نفسها بالرحمة، ثم أوجدت الحق المخلوق اه بالى.