شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٧١
الفائض على بعض الأعيان لم يكن لها قابلية نور الوجود إلا نسبا عدمية أو أعداما نسبية، كالجهد و الفقر و المرض و الألم و الموت و أمثالها سميت غضبا، و ذلك لكمال سعة الرحمة و عمومها كل شيء، وسعت هذه الأعدام النسبية أو النسب العدمية لشائبة الوجود فيها، فصار الغضب مرحوما و إلا لم يوجد.
(و لما كان لكل عين وجود يطلبه من الله لذلك عمت رحمته كل عين، فإنه برحمته التي رحمه بها قبل رغبته في وجود عينه فأوجدها، فلذلك قلنا إن رحمة الله وسعت كل شيء وجودا و حكما) لذلك إشارة إلى الطلب، و عمت جواب لما، و قوله فإنه تعليل لعموم الرحمة، و قوله قبل رغبته: خبر إن، أي فإن الله برحمته التي رحم الشيء بها سابق رغبته في وجود عينه أي طلبه، فأوجدها أي الرغبة أولا و هي الاستعداد فلذلك أي فلسبق الرحمة الاستعداد، قلنا وسعت رحمته كل شيء وجودا و حكما، حيث جعله برحمته الذاتية فطلبت مشيئته الوجود فأوجده، أي و لما كانت الأعيان الثابتة في ثبوتها العلمي معدومة العين في نفسها، طالبة للوجود من الله راغبة في وجودها العيني، عمت رحمته الذاتية كل عين بأن أعطتها قابلية التجلي الوجودي، فتلك القابلية و الاستعداد الذاتي لقبول الوجود رغبتها في الوجود العيني، و أول أثر الرحمة الذاتية فيها تلك الصلاحية لقبول الوجود المسماة استعدادا، فإنه تعالى رحمها قبل استعدادها للوجود بوجود الاستعداد من الفيض الأقدس، أي التجلي الذاتي العيني الواقع في الغيب، و ذلك الاستعداد رحمة الله عليها إذ لا وجود لها تقدم بذلك الطلب الاستعدادي، و سؤال الرحمة في الغيب أوجدها في الأعيان بالوجود العيني فذلك رحمته عليها وجودا، و هو معنى قوله- وَ آتاكُمْ من كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ- أي بلسان الاستعداد في الغيب (و الأسماء الإلهية من الأشياء، و هي ترجع إلى عين واحدة، فأول ما وسعته رحمته أزلا شيئيته تلك العين الموجدة للرحمة بالرحمة، فأول شيء وسعته الرحمة نفسها، ثم الشيئية المشار إليها، ثم شيئية كل موجود يوجد إلى ما لا يتناهى دنيا و آخرة عرضا
__________________________________________________
أو بعد قبول الحق طلبه، قوله (برحمته) يتعلق بقبل بكسر الباء، و يجوز أن يكون قبل جواب لما، و الجملة اعتراضية أي لما طلب قبل طلبه فأوجدها، أو معناه فإن الله تحقق برحمته التي رحم بها أي أوجد بها كل عين في علمه الأزلى قبل طلب كل عين وجوده الخارجي، فالرحمة صفة أزلية للحق، و ذات الحق سابقة على كل عين و كذا لوازمه من صفاته- قُلِ ادْعُوا الله- فكل عين مع لوازمه رحمة من رحمة الرحمن، بل الأسماء الإلهية كلها و نفس الرحمة رحمة من الاسم الرحمن فعموم الرحمة من أجل المعلومات، و ما ذكره الشيخ في إثباته تنبيهات، و على أي حال فالمقصود أن الطالب هو العين، و المطلوب هو الوجود و الطلب، و قبوله تعالى كل ذلك من رحمة الله و إليه أشار بقوله: فلذلك قلنا اه بالى.
(تلك العين الموجدة) في الخارج للرحمة علة غائية للإيجاد بالرحمة أي بسبب الرحمة، و هي الحقيقة المحمدية التي هي عين الرحمة أوجدها الله بالرحمة، فالرحمة شيء من حيث نفسها صفة ذاتية للحق، و من حيث شيئيتها حقيقة محمدية مظهر للاسم الرحمن، و شيئية الشيء يتعين الشيء و يمتاز عن غيره، و هي من لوازم الوجود اه بالى.