شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٧
به فعبر عن هاتين الصفتين) أي المتقابلتين اللتين له تعالى كالظهور و البطون و الرضا و الغضب و الجمال و الجلال (باليدين اللتين توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل).
قوله (لكونه الجامع لحقائق العالم و مفرداته) فيه إشعار بأنه مع مساواته العالم في حقائقه و مفرداته يختص بالجامعية الأحدية دونه، و بهذه الجمعية التي اتحدت بها مفردات العالم كاتحاد العناصر بالتركيب و اتحاد كيفياتها بالمزاج و اتحاد صورته بقوى العالم المسماة بالتسوية ليستعد لقبول روحه المنفوخ فيه فاستحق به الخلافة لأن الخليفة يجب أن يناسب المستخلف ليعرفه بصفاته و أسمائه و ينفذ حكمه في المستخلف فيه، و يناسب المستخلف فيه ليعرفه بصفاته و أسمائه فيجري كل حكم على ما يستحقه من مفرداته، فيناسب بروحه و أحدية جمعية الحق و شارك بصورته و أجزاء وجوده و مفرداته العالم فهو عبد الله رب العالم و صورته التي هي من العالم شهادة و روحه غيب و ربوبيته من جهة غيبه و لهذا قال (فالعالم شهادة و الخليفة غيب) لأنه من حيث الصورة داخل في العالم، و من حيث معناه خليفة الله و رب و سلطان للعالم (و لهذا المعنى يحجب السلطان كما ذكر و وصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية و هي الأجسام الطبيعية و النورية و هي الأرواح اللطيفة، فالعالم بين كثيف و لطيف و هو عين الحجاب على نفسه) فالظلمانية أجساد العالم و النورانية أرواحه، و ليس العالم إلا هذه الأجسام الكثيفة و الأرواح اللطيفة فهو حجاب على نفسه (فلا يدرك الحق إدراكه نفسه) لأن الشيء لا يدرك إلا ما فيه و ليس في العالم إلا الحجب، فلا يدرك إلا الحجاب دون المحجوب (فلا يزال في حجاب لا يرفع) من هذا الوجه (مع علمه) أي مع أنه محجوب بحجاب آخر و هو علمه (بأنه متميز عن موجده بافتقاره و لكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق فلا يدركه أبدا) أي و لكن لا يعلم من علمه بافتقاره الوجوب الذاتي الذي للحق إذ لا حظ له منه بوجه، و ما ليس فيه شيء منه لم يدركه إدراك
__________________________________________________
فاقتضى شأن الإنسان توجه اليدين من الحق بخلقه، فخلقه الله بيديه فإنه أعطى كل ذى حق حقه اه (فالعالم) بجميع حقائقه و مفرداته (شهادة) أي ظاهر الخليفة و صورته (و الخليفة) أي الإنسان الكامل (غيب) أي باطن العالم و روحه المدبر له، فالعقل الأول أول ما يربيه الخليفة من عالم الأرواح. لما فرغ من بيان الارتباط الذي يحصل العلم لنا به شرع في بيان الارتباط الذي احتجب الحق عنا به فقال (و وصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية) كما قال جعت و مرضت بالى.
(و لما وصف نفسه بالحجب الظلمانية و النورية و كنا بين كثيف و لطيف) احتجب ذاته تعالى عنا بنا فحجابنا علينا في الحق عين وجودنا و هو معنى قوله (و هو) أي العالم (عين الحجاب على نفسه) أي على العالم، فإذا كان كذلك (فلا يدرك) العالم (الحق إدراكه) أي العالم (نفسه) فإنه لما اتصف بالعالمية فلا يقع نظره علم ذوق و شهود إلا إلى العالم لا إليه تعالى (فلا يزال) العالم (في حجاب لا يرفع) و إلا لانعدم العالم لقوله «إن للَّه سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (مع علمه بأنه متميز) يعنى أن هذا الحجاب لا يمنع علمه بأن الله واجب بالذات و غنى عن العالم و الكل مفتقر إليه (فلا يدركه أبدا) علم ذوق فإن ذوق الشيء شيئا في غيره فرع ذوقه ذلك الشيء في نفسه فإذن لا يدركه