شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٦٥
بمعناهما، ألا ترى أن الشيطان في عين القرب لوجوده بالحق بعيد عن الله لانحرافه العيني، فقربه من أيوب نفس كونه بعيدا منحرفا عن الاعتدال، فحكم على أيوب في عين القرب منه بالبعد عن الحق و الانحراف عن الاعتدال.
(و اعلم أن سر الله في أيوب الذي جعله عبرة لنا و كتابا مسطورا حاليا تقرؤه هذه الأمة المحمدية لتعلم ما فيه فتلحق بصاحبه تشريفا لها، فأثنى الله عليه أي على أيوب بالصبر مع دعائه في رفع الضر عنه، فعلمنا أن العبد إذا دعا الله في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره و أنه صابر و أنه نعم العبد، كما قال- نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ- أي رجاع إلى الله لا إلى الأسباب، و الحق يفعل عند ذلك بالسبب لأن العبد يستند إليه، إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة و المسبب واحد العين، فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى من الرجوع إلى سبب خاص ربما لا يوافق ذلك علم الله فيه، فيقول: إن الله لم يستجب لي، و هو ما دعاه و إنما جنح إلى سبب خاص لم يقتضه الزمان و لا الوقت، فعمل أيوب بحكمة الله إذ كان نبيا لما علم أن الصبر الذي هو حبس النفس عن شكوى عند الطائفة) أي المتقدمين من الشرقيين من أهل التصوف القائلين بأن الصبر هو حبس النفس عن الشكوى مطلقا (و ليس ذلك بحد الصبر عندنا، و
إنما حده حبس النفس عن الشكوى لغير الله لا إلى الله، فحجب الطائفة نظرهم في أن الشاكي يقدح بالشكوى في الرضا بالقضاء و ليس كذلك، فإن الرضا بالقضاء لا يقدح فيه الشكوى إلى الله و لا إلى غيره و إنما يقدح في الرضا بالمقضى و نحن ما خوطبنا بالرضا بالمقضى و الضر هو المقضي ما هو عين القضاء) إذ المقضي به أمر يقتضيه عين المقضي و حاله و استعداده، و القضاء حكم الله بذلك و هما متغايران فلا يلزم من الرضا بحكم الله الرضا بالمحكوم به، فإنه مقتضى حقيقة العبد المقضي عليه لا مقتضى حكم الله (و علم أيوب أن في حبس النفس عن الشكوى إلى الله في رفع الضر مقاومة القهر الإلهي و هو جهل بالشخص إذا ابتلاه الله بما تتألم منه نفسه، فلا يدعو الله في إزالة ذلك الأمر المؤلم بل ينبغي له عند المحقق أن يتضرع و يسأل الله إزالة ذلك عنه، فإن ذلك إزالة عن جناب الله عند العارف صاحب الكشف، فإن الله قد وصف نفسه بأنه يؤذى فقال- إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَ رَسُولَهُ- و أي أذى أعظم من أن يبتليك الله ببلاء عند غفلتك عنه، أو عن مقام إلهى لا تعلمه، لترجع إليه بالشكوى فيرفعه عنك فيصح الافتقار الذي هو حقيقتك) باعتبار
__________________________________________________
و هو ما دعاه: أي و الحال أن العبد لم يدع فافترى على الله و على نفسه و هو لا يشعر بذلك، و أساء الأدب اه بالى.
إذ المقضي هو المحكوم به و القضاء حكم الله، فظهر أن الصبر أخص مطلقا من الرضا اه بالى.
فإن الرسول وجه خاص من الوجوه الإلهية فمن يؤذيه فقد آذى الله، و الله منزه عن التألم، لكن لما كان غاية كراهة عنده وصف نفسه بما يتأذى به عبده اه بالى.
لا تعلمه أنت أي إن ابتلاءك أعظم أذى الحق، فإنه يتأذى بما تتأذى به أي لا يرضى الحق أن يتأذى عباده