شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٦
بأن يكون آخرا للمقيدات لكنه لا آخر لها و لو كان لها آخرية ينتهى به الوجود لم يصح أن يكون الآخر عين الأول فآخريته برجوع الأمر كله إليه بعد نسبته إلينا كما ذكر في دائرة الوجود، فكذلك أوليته بابتداء الكل منه بنسبته إلينا فالنسب و الإضافات ممكنة و الحقيقة من حيث هي هي واجبة و ذلك معنى قولهم التوحيد إسقاط الإضافات و لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه (ثم ليعلم أن الحق) أي بعد العلم بما ذكر، ليعلم أنه تعالى لما أرانا آيات أسمائه و صفاته في العالم جعل فينا ما نعرف به ذلك فشركنا مع العالم في صفاته لنعرف بما فينا ما فيه و ما أمكن العالم قبول جميع أسماء الحق و صفاته، لأن الفارق بينه و بين الحق الوجوب الذاتي و الإمكان و ما يلزمهما من الغنى و الفقر لازم فيقبل بعضها و هو الذي لا يختص بالوجوب كالوجود و الظهور و البطون، و أما البعض الآخر فلا يقبل إلا آثارها التي يليق بفقره و نقصه، و جمع فينا بأحدية الجمع الأمرين، فلذلك قسمها قسمين و جعل القسم الأول مشتركا بين الكل أي بين الحق تعالى و بيننا و بين العالم فقال (وصف نفسه بأنه ظاهر و باطن فأوجد العالم عالم غيب و شهادة لندرك الباطن بغيبنا و الظاهر بشهادتنا) لكنه فرق بين وصف العالم و وصف الحق بهما بأن جعل العالم عالمين عالم غيب و عالم شهادة إذ ليس في العالم إلا أحدية الجمع و لم يفرق بين وصف الحق و وصفنا فأضاف الغيب و الشهادة إلينا بحكم أحدية جمعنا المخصوص فنحن على معناه و صورته دون العالم، و أما القسم الآخر فسوانا فيه مع العالم و جعل في مقابلة كل صفة فعلية محضة للَّه تعالى صفة انفعالية مشتركة بيننا و بين العالم فقال (و وصف نفسه بالرضا و الغضب و أوجد العالم ذا خوف و رجاء) فإن الخوف انفعال و تأثر من تأثير الغضب نعرف به غضبه، و كذا الرجاء في مقابلة الرضا و لهذا قال (فنخاف غضبه و نرجو رضاه) و قال (و وصف نفسه بأنه جميل ذو جلال فأوجدنا على هيبة و أنس) فإن الهيبة انفعال من صفة الجلال و نعرف به عظمته و جلاله و كذا الأنس في مقابلة الجمال فجعلنا على صفته بوجه و على صفة العالم بوجه كما سيجيء (و هكذا جميع ما ينسب إليه تعالى و يسمى
__________________________________________________
و اخريته عين أوليته، و لا كذلك الممكن (عالم غيب) و هو بواطننا و أرواحنا و عالم (شهادة) و هي ظواهرنا و قوانا الظاهرة فكنا مجمع العالمين و ليس ذلك الاتحاد إلا (لندرك) الاسم (الباطن بغيبنا) أي بسبب إدراكنا غيبنا (و الظاهر بشهادتنا) فنعلم على طريق الاستدلال من الأثر إلى المؤثر أنه تعالى هو الظاهر و الباطن (و وصف نفسه بالرضى و الغضب) فأوجدنا ذا رضا و غضب لندرك الرضا برضانا و الغضب بغضبنا، و لم يذكر هذا الوجه بظهوره مما سبق (و أوجد العالم) أي أوجدنا (ذا خوف و رجاء فنخاف غضبه و نرجو رضاه) لأن الخوف لازم الغضب و الرجاء لازم الرضا فنتصف بهما و نستدل على غضبه و رضاه مع كونه منزها عن الخوف و الرجاء (و وصف نفسه بأنه جميل و ذو جلال فأوجدنا على هيبة) تحصل من جلاله (و أنس) حاصل لنا من جماله فنتصف بهما و نستدل عليهما مع أنهما لا ينسبان إليه تعالى و لا يسمى بهما لكنه يسمى بمبدئيتهما أي مبدأ الخوف و هو الغضب و مبدأ الرجاء و هو الرضى و كفى بذلك دليلا على حصول الارتباط فإذا وجد الإنسان في الخارج يخلق الله بيديه ظهر جميع ما في العالم في هذه النسخة الجامعة.